Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ }

القصة، والنزول:

قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد: إن سبب نزول هذه الآية انه لما ارجف بان النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم أحد واشيع ذلك، قال ناس لو كان نبياً ما قتل. وقال آخرون نقاتل على ماقاتل عليه حتى نلحق به. وكان سبب انهزامهم وتضعضهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) نهاهم عن الاخلال به، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم، فلما انهزم المشركون في الجولة الأولى، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب: يغنمون ولا نغنم. فقال لهم رئيسهم: الله الله لا تفعلوا فان النبي (صلى الله عليه وسلم) أمرنا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وانصرفوا، وثبت رئيسهم مع إثني عشر رجلا، فقتلوا، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب، وكان كامنا فيه. وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، وإصابة رباعية النبي (صلى الله عليه وسلم) وجرحه. وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقيل إن عبد الله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه، ومضى إلى المشركين، وقال قتلت محمداً وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية.

فان قيل: كيف دخل الاستفهام على الشرط. وإنما هو كغيره من الانقلاب والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل؟ قيل: لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة وخبراً واحداً بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام، وكذلك تقديمه في القسم، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم، كما قال الشاعر:
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل   أمامك بيت من بيوتي سائر
أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله { أفان مات أو قتل } تنقلبون بالرفع، والجزم ومعنى { انقلبتم على أعقابكم } أي ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم، لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح، والتنكيل بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى. والالف في قوله: { أفان } ألف انكار بصورة ألف استفهام، لأن التقرير به يظهر ما فيه من المنكر، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار. ومثله أتختار الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب. وقوله: { أفان مات أو قتل } يدل عى أن الموت غير القتل لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. والقتل هو نقض بنيه الحياة. والموت: في الناس من قال: هو معنى يضاد الحياة. وفيهم من قال: هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة. وقوله: { ومن ينقلب على عقبيه } أي من يرتد ويرجع عن الاسلام { فلن يضر الله شيئاً } لأنه لايجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه، لأنه يستحق العقاب الدائم. وقوله: { وسيجزي الله الشاكرين } معناه يثيب الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها. ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد، لأن قوله: { فلن يضر الله شيئاً } دليل على معنى الوعيد، لأن معناه انما يضر نفسه باستحقاقه العقاب { وسيجزي الله الشاكرين } بما يستحقونه من الثواب.