Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ }

يقول الله تعالى { ومن جاهد } أي من جاهد نفسه بأن يصبر على ما أمره الله به، ويعمل بسنته، ومنه الجهاد، وهو الصبر في الحرب على ما جاء به الشرع { فإنما يجاهد لنفسه } لان ثواب صبره عائد عليه وواصل اليه دون الله تعالى، لانه تعالى غني عن جميع الخلائق غير محتاج إلى طاعاتهم، ولا غير ذلك.

ثم قال تعالى { والذين آمنوا } أي صدقوا بوحدانيته واقروا بنبوة نبيه، واعترفوا بما جاء به من عند الله { لنكفرن عنهم سيئاتهم } التي اقترفوها قبل ذلك. ومن قال بالاحباط قال: تبطل السيئة الحسنة التي هي أكبر منها حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، كما قالإن الحسنات يذهبن السيئات } والاحباط هو ابطال الحسنة بالسيئة التي هي اكبر منها. والسيئة الخصلة التي يسوء صاحبها عاقبتها. والحسنة الخصلة التي يسر صاحبها عاقبتها. وكل حسنة طاعة لله، وكل سيئة هي معصية له تعالى.

وقوله { لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } قال الجبائي: معناه أحسن ما كانوا يعملون: طاعاتهم لله، لانه لا شيء في ما يعمله العباد أحسن من طاعاتهم لله. وقال قوم: معناه ولتجزينهم بأحسن اعمالهم، وهو الذي أمرناهم به، دون المباح الذي لم نأمرهم به ولا نهيناهم عنه.

وقوله { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً } معناه أمرناه أن يفعل حسناً وألزمناه ذلك. ثم خاطب كل واحد من الناس، فقال { وإن جاهداك } يعني الوالدين أيها الانسان { لتشرك بي } في العبادة { ما ليس لك به علم، فلا تطعهما } في ذلك. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص، لأنه لما هاجر حلفت أمّه انها لا يظلها سقف بيت حتى يعود. فنزلت الآية.

ثم قال مهدداً للجميع { الي مرجعكم } أي إليّ مآلكم { فأنبئكم } أي اخبركم { بما كنتم تعملون } في دار التكليف، ثم اجازيكم بحسبه. ثم قال تعالى { والذين آمنوا } بتوحيد الله واخلاص العبادة له وصدق انبيائه واضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحات { لندخلنهم في } جملة { الصالحين } الذين فعلوا الطاعات ويجازيهم الله ثواب الجنة.

ثم اخبر ان { من الناس من يقول } بلسانه { آمنا بالله فإذا أوذي في الله } أي إذا لحقه شدة في جنب الله { جعل فتنة الناس } أي عذاب الناس إياهم { كعذاب الله } اي خافوا عذاب الخلق، كما يخاف عذاب الله، فيرتدون.

{ ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } وهذا الذي ذكره صفة المنافقين الذين إذا جاهدوا الكفار وكانت الدائرة على المسلمين جعلوا ذلك مثل ما يعذبهم الله، ومتى ظفروا بأعدائهم قالوا للمؤمنين { إنا كنا معكم } في الجهاد فلنا مثل ما لكم من الغنيمة، فقال تعالى { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } أي الله يعلم بواطن احوالهم وسرائر ما في نفوسهم، فيجازيهم على حسب ذلك.