الرئيسية - التفاسير


* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ } * { خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } * { ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }

قرأ ابو عمرو ويعقوب وعاصم - في رواية حفص - والعليمي، والعبسي { إن الله يعلم ما يدعون من دونه } بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. قال ابو علي: { ما } استفهام وموضعها النصب بـ { يدعون } ولا يجوز أن يكون نصباً بـ { يعلم } ولكن صارت الجملة التي هي منها في موضع نصب، وتقديره إن الله يعلم أوثاناً يدعون من دونه، لا يخفى عليه ذلك. ومثلهفسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } والمعنى سيعلمون آلمسلم يكون له عقابة الدار أم الكافر؟. وكل ما كان من هذا فهكذا القول فيه، وهو قياس قول الخليل.

شبه الله سبحانه حال من اتخذ من دونه أولياء ينصرونه عند الحاجة في الوهن والضعف بحال العنكبوت الذي يتخذ بيتاً ليأوى اليه، فكما أن بيت العنكبوت في غاية الوهن والضعف، فكذلك حال من اتخذ من دون الله أولياء مثله في الضعف والوهن. والمثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالاول. و (الاتخاذ) أخذ الشيء على اعداده لنائبة، وهو (افتعال) من (الاخذ) فلما اخذوا عبادة غير الله إعداداً لنائبة كانوا اتخذوا الأولياء من دون الله، وذلك فاسد لأن عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الأوثان. والمولي هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لان الناصر قد يكون ناصراً بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي هو الذي يتولى فعلها بنفسه. والعنكبوت هو دابة لطيفة تنسج بيتاً تأويه، في غاية الوهن والضعف، ويجمع عناكب، ويصغر عنيكب ووزنه (فعللوت) وهو يذكر ويؤنث، قال الشاعر:
على هطأ لهم منهم بيوت   كأن العنكبوت هو ابتناها
ويقال: هو العنكباء. ثم اخبر تعالى { إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } الذي شبه الله حال من اتخذ من دونه أولياء به، فاذا حاله أضعف الاحوال. وقوله { لو كانوا يعلمون } صحة ما أخبرناهم به ويتحققونه، لكنهم كفار بذلك، فلا يعلمونه فـ (لو) متعلقة بقوله { اتخذوا } أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً لم يتخذوهم أولياء، ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } لأنهم كانوا عالمين بأن بيت العنكبوت واه ضعيف.

ثم قال تعالى { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } سواء كان صنماً او وثناً أو ما كان مثل ذلك { وهو العزيز } في انتقامه الذي لا يغالب في ما يريده { الحكيم } في جميع أحواله وأفعاله، واضع لها في مواضعها. ثم قال { وتلك الأمثال } وهي الاشباه والنظائر، قال الشاعر:
هل يذكر العهد في تنمص   إذ يضرب لي قاعدة بها مثلا
{ يضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } أي ما يدركها إلا من كان عالماً بمواقعها. ثم اخبر تعالى انه { خلق السماوات والأرض } وأخرجهما من العدم إلى الوجود { بالحق } أي على وجه الحكمة دون العبث الذي لا فائدة فيه وانه قصد بها الدلالة على توحيده { إن في ذلك } يعني في خلق الله ذلك على ما ذكره { لآية للمؤمنين } المصدقين بتوحيد الله، لأنهم المنتفعون بها دون الكفار الذين لم ينتفعوا بها لتفريطهم، فلذلك اسندها إلى المؤمنين.

السابقالتالي
2