Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } * { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }

حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم { يقولون متى هذا الوعد } الذي توعدنا به { إن كنتم صادقين } في اخباركم بذلك في البعث والنشور، والوعد من الحكيم على ضربين:

احدهما - ان يكون مقيداً بوقت، فاذا جاء ذلك الوقت فلا بد أن يفعل فيه ما وعد به.

والثاني - ان يكون مطلقاً غير موقت إلا انه لا بد أن يكون معلوماً لعلام الغيوب الوقت الذي يفعل فيه الموعد به، فاذا كان ذلك الوقت معلقاً بزمان تعين عليه الفعل في ذلك الوقت، فلا بد للموعود به من وقت، وإن لم يذكر مع الوعد.

ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } فعسى من الله واجبة، والمعنى ان الذي وعدكم الله به لا بد أن يردفكم، والردف الكائن بعد الأول قريباً منه. والفرق بينه وبين التابع أن في التابع معنى الطلب لموافقة الأول، وترادف إذا تلاحق، تلاحقا ترادفا، واردفه اردافاً. ومعنى { ردف لكم } قرب منكم ودنا - في قول ابن عباس - وقيل: تبع لكم. والاستعجال طلب الأمر قبل وقته، فهؤلاء الجهال طلبوا العذاب قبل وقته تكذيباً به. وقد أقام الله عليهم الحجة فيه. و (ردف) من الافعال التي تتعدى بحرف وبغير حرف، كما قال الشاعر:
فقلت لها الحاجات تطرحن بالفتى   وهم يعناني معناً ركائبه
وقيل: ان الباء انما دخلت للتعدية. وقيل: انما دخلت لما كان معنى تطرحن ترمين، وكذلك لما كان معنى { ردف لكم } دنا، قال { لكم } قال المبرد: معناه ردفكم واللام زائدة. وقيل { بعض الذي تستعجلون } يوم بدر. وقيل: عذاب القبر.

ثم قال { وإن ربك لذو فضل على الناس } والفضل الزيادة على ما للعبد بما يوجبه الشكر، فالعدل حق العبد. والفضل فيه واقع من الله لا محالة إلا انه على ما يصح وتقتضيه الحكمة.

ثم اخبر ان { أكثر الناس لا يشكرون } الله على نعمه بل يكفرونه.

ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { وإن ربك } يا محمد { ليعلم ما تكن صدورهم } أي ما تخفيه صدورهم، يقال: كننت الشيء في نفسي، وأكننته إذا سترته في نفسك، فهو مكن ومكنون لغتان. قال الرماني: الاكنان جعل الشيء بحيث لا يلحقه أذى لمانع يصد عنه { وما يعلنون } أي يعلم ما يظهرونه ايضاً.

ثم قال { وما من غائبة في السماء والأرض } أي ليس شيء يغيب علمه عن أهل السماء والارض { إلا } ويبينها الله { في كتاب مبين } وهو الكتاب المحفوظ. وقال الحسن: الغائبة القيامة. وقال النقاش: ما غاب عنهم من عذاب السماء والارض. وقيل: هو ما أخفاه الانسان عن قلبه وعينه. وقال البلخي: معنى { في كتاب مبين } أي هو محفوظ لا ينساه كما يقول القائل: أفعالك عندي مكنونة أي محفوظة.