Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ } * { ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ }

يقول الله تعالى ان الذي ذكرناه انما دللنا به لتعلم ان { الله هو الحق } وانه الواحد الذي لا يستحق العبادة سواه، ومن اعتقده كذلك، فمعتقده على ما هو به، وهو محق، والحق هو ما كان معتقده على ما أعتقده { وأنه يحيي الموتى } لأن من قدر على انشاء الخلق إبتداء ونقله من حال الى حال على ما وصف، فانه يقدر على إعادته حياً بعد كونه ميتاً، ويعلم ايضاً انه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدوراً له، واصل الوصف بالحق من قولهم: حقه يحقه حقاً، وهو نقيض الباطل. والفرق بين الحق والعدل أن العدل جعل الشيء على قدر ما تدعوا اليه الحكمة، والحق فى الأصل جعل الشيء لما هو له في ما تدعو اليه الحكمة غير انه نقل الى معنى مستحق لصفات التعظيم، فالله تعالى لم يزل حقاً أي انه لم يزل مستحقاً لمعنى صفة التعظيم بأنه الاله الواحد الذي هو على كل شيء قدير.

ثم اخبر تعالى ان فى جملة الناس من يخاصم { ويجادل في الله } وصفاته { بغير علم } بل للجهل المحض { ولا هدى } أي ولا حجة { ولا كتاب منير } أي ولا حجة كتاب ظاهر، وهذا يدل ايضاً على ان الجدال بالعلم صواب، وبغير العلم خطأ، لأن الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق، وبغير العلم يدعو الى الاعتقاد بالباطل، ولذلك قال تعالىوجادلهم بالتي هي أحسن } وقوله { ثاني عطفه } نصب على الحال يعني الذي يجادل بغير علم يثني عطفه. قال مجاهد وقتادة: يلوي عنقه كبراً. وقيل انها: نزلت فى النضر بن الحارث ابن كلدة - ذكره ابن عباس -.

وقوله { ليضل عن سبيل الله } من فتح الياء، معناه يفعل هذا ليضل عن طريق الحق المؤدي الى توحيد الله. ومن ضم الياء اراد انه يفعل ذلك ليضل غيره.

ثم اخبر تعالى ان من هذه صفته { له في الدنيا خزي } وأنه يذيقه { عذاب الحريق } يوم القيامة أي العذاب الذي يحرق بالنار. ثم قال { ذلك بما قدمت يداك } أي يقول الله تعالى عند نزول العذاب به { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ومعناه إن ما يفعل بالظالم نفسه من عذاب الحريق جزاء على ما كسبت يداه، فذكر اليدين مبالغة في إضافة الجرم اليه، وهذا يدل على أن ذكر اليدين قد يكون لتحقيق الاضافة. وقوله { وإن الله } اي ولان الله { ليس بظلام للعبيد } وإنما ذكره بلفظ المبالغة، وإن كان لا يفعل القليل من الظلم لامرين:

احدهما - انه خرج مخرج الجواب للمجبرة، ورداً عليهم، لأنهم ينسبون كل ظلم في العالم اليه تعالى، فبين أنه لو كان، كما قالوا لكان ظلاماً وليس بظالم.

والثاني - أنه لو فعل أقل قليل الظلم لكان عظيماً منه، لانه يفعله من غير حاجة اليه، فهو أعظم من كل ظلم فعله فاعله لجاجته اليه.