الرئيسية - التفاسير


* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } * { لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }

قرأ أهل العراق إلا ابا بكر { وإن ما يدعون } بالياء. الباقون بالتاء. معنى ذلك ان { ذلك } الأمر { بأن الله يولج الليل في النهار } أي يدخل الليل على النهار، والايلاج الادخال باكراه، ولج يلج ولوجاً وأولج إيلاجاً واتلج اتلاجاً. وانما قال يولج الليل في النهار - ها هنا - لأن ذلك يقتضي أن ذلك صادر من مقتدر لولاه لم يكن كذلك. وقيل: معنى { يولج الليل في النهار } أن يدخل ما انتقص من ساعات الليل في النهار، وما انتقص من ساعات النهار فى الليل. ومعنى { وإن الله سميع بصير } - ها هنا - أنه يسمع ما يقول عباده في هذا بصير به، لا يخفى عليه شيء منه حتى يجازي به.

وقوله { بأن الله هو الحق } وصفه بأنه الحق يحتمل أمرين:

احدهما - انه ذو الحق في قوله وفعله.

الثاني - انه الواحد فى صفات التعظيم التي من اعتقدها، فهو محق،

وقوله { وإن ما يدعون من دونه هو الباطل } من قرأ بالتاء خاطب بذلك الكفار. ومن قرأ بالياء أخبر عنهم بأن ما يدعونه من دون الله من الاصنام والاوثان هو الباطل، على الحقيقة { وإن الله هو العلي الكبير } فالعلي القادر الذي كل شيء سواه تحت معنى صفته، بأنه قادر عليه، ولا يجوز وصفه بـ (رفيع) على هذا المعنى، لان صفة علي منقولة اليه، ولم تنقل صفة (رفيع) ووصفه بأنه الكبير، يفيد أن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، العالم الذي لا يخفى عليه شيء.

وقوله { ألم تر } خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع المكلفين يقول الله لهم ألم تعلموا { أن الله أنزل من السماء ماء } يعني غيثاً ومطراً { فتصبح الأرض } بذلك { مخضرة } بالنبات { إن الله لطيف خبير } فاللطيف معناه أنه المختص بدقيق التدبير الذي لا يخفى عنه شيء ولا يتعذر عليه، فهو لطيف باستخراج النبات من الارض بالماء، وابتداع ما يشاء { خبير } بما يحدث عنه وما يصلح له. وقوله { فتصبح الأرض } انما رفع { فتصبح } لانه لم يجعله جواباً للاستفهام، لان الظاهر وإن كان الاستفهام فالمراد به الخبر، كأنه قال: قد رأيت أن الله ينزل من السماء ماء، فتصبح الارض مخضرة، إلا انه نبه على ما كان رآه ليتأمل ما فيه قال الشاعر:
ألم تسأل الربع القواء فينطق   وهل يخبرنك اليوم بيداً سملق
لان المعنى قد سألته فنطق. ثم أخبر تعالى أن { له } ملك { ما في السماوات وما في الأرض } لا ملك لاحد فيه. ومعناه إن له التصرف في جميع ذلك لا اعتراض عليه. وأخبر { إن الله هو الغني الحميد } فالغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، فهو تعالى المختص بأنه لو بطل كل شيء سواه لم تبطل نفسه القادرة العالمة.

السابقالتالي
2