Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }

المعنى:

قد بينا فيما مضى أن الميثاق هو العهد. والمعنى في الآية: واذكروا اذ اخذنا ميثاق اسلافكم الذين كانوا في زمن موسى، والانبياء الماضين (ع)، وانما اضاف اليهم لما كانوا أخلافا لهم على ما مضى القول فيه. وتقدير الاعراب في هذه الآية مثل الآية الاولى سواء.

واما سفك الدم، فانه صبه واراقته. ومعنى { لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } النههي عن أن يقتل بعضهم بعضاً، وكان في قتل الرجل منهم قتل نفسه اذا كانت ملتهما واحدة، ودينهما واحد وكان اهل الدين الواحد في ولاية بعضهم بعضاً بمنزلة رجل واحد. كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " انما المؤمنون في تعاطفهم وتراحمهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر " فهذا قول قتادة وابي العالية. ويحتمل ان يكون المراد لا يقتل الرجل منكم غيره فيقاد به قصاصاً. فيكون بذلك قاتلا نفسه، لانه كالسبب فيه واضيف قتل الولي اياه قصاصاً اليه بذلك. كما يقال لرجل يعاقب لجناية جناها على نفسه: انت جنيت على نفسك. وفيه قول ثالث: وهو ان قوله: { أنفسكم } اراد به اخوانكم، لانهم كنفس واحدة.

وقوله: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } اي اقررتم بذلك ايضاً، وبذلتموه من انفسكم، وانتم شاهدون على من تقدمكم باخذنا منهم الميثاق، وما بذلوه من انفسهم. فذكر تعالى اقرارهم وشهادتهم، لأن اخذ الميثاق كان على اسلافهم ـ وإن كان لازماً للجميع، لتوكيد الحجة عليهم. ـ وقال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في بني قريظة والنضير.

يقول: حرم الله في الكتاب ان تسفكوا دماءكم، اي لا تقتتلوا فيقتل بعضكم بعضاً، ولا تتركوا أسيراً في يد الآسرين ليقتلوه { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } معناه لا تغلبوا احداً على داره، فتخرجوه، فقبلتم ذلك واقررتم به. وهو اخذ الميثاق { وأنتم تشهدون } بذلك.

واما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة فنفس الانسان انفس ما فيه. والدار هي المنزل الذي فيه ابنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: كل موضع حل فيه قوم فهو دار لهم ـ وان لم يكن فيه ابنية. وقيل ايضاً: إن معنى قوله: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } ان اقرارهم هو الرضاء به، والصبر عليه: كما قال الشاعر:
الست كليبياً اذ سيم خطة   اقرّ كاقرار الحليلة للبعل
وقوله: { وأنتم تشهدون } يحتمل امرين:

احدهما ـ وانتم تشهدون على انفسكم بالاقرار.

والثاني ـ وانتم تحضرون دماءكم. وتخرجون انفسكم من دياركم.

وحكي عن ابن عباس انه قال: ذلك خطاب من الله تعالى لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام هجرته اليهم موبخاً لهم على تضييعهم احكام ما في ايديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها. فقال الله تعالى لهم: { ثم أقررتم } يعني بذلك اقر أوّلكم وسلفكم وانتم تشهدون على اقرارهم، باخذ الميثاق عليهم بان لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا انفسهم من ديارهم، ويصدقوا بان ذلك حق من ميثاقي عليكم. وقال ابو العالية: ذلك خبر من الله عن أوائلهم. ولكنه اخرج الخبر مخرج المخاطبة عنهم على النحو الذي وصفناه في سائر الآيات. { وأنتم تشهدون } اي وانتم شهود.