Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }

المعنى:

هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، وقد بينا أن المؤمن هو المصدق بما وجب عليه،، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح، وغيرها، لأن الايمان لا ينفي الفسق - عندنا -. وعند المعتزلة: إنه خطاب لمجتنبي الكبائر، وإنما يدخل فيه الفساق على طريق التبع، والتغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث في قولك: الاماء والعبيد جاوزني، وقد بينا فيما تقدم أن أفعال الجوارح لا تسمى إيماناً - عند أكثر المرجئة وأكثر أصحابنا - وإن بعضهم يسمي ذلك إيماناً، لما رووه عن الرضا (ع). وإيمان مأخوذ من أمان العقاب - عند من قال: إنه تناول مجتنبي الكبائر - وعند الآخرين من أمان الخطأ، في الاعتقاد الواجب عليه. وفي المخالفين من يجعل الطاعات الواجبات، والنوافل من الايمان. وفيهم من يجعل الواجبات فقط إيماناً، ويسمي النوافل إيماناً مجازا.

وقوله { كلوا } ظاهره ظاهر الأمر، والمراد به الاباحة، والتخيير، لأن الأكل ليس بواجب إلا أنه متى أراد الأكل، فلا يجوز أن يأكل إلا من الحلال الطيب، ومتى كان الوقت وقت الحاجة فانه محمول على ظاهره في باب الأمر: سواء قلنا: إنه يقتضي الايجاب أو الندب.

وفي الآية دلالة على النهي عن أكل الخبيث - في قول البلخي، وغيره - كأنه قيل: كلوا من الطيب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال، لكان ذلك دالاً على حظر الحرام - وهذا صحيح فيما له ضدّ قبيح مفهوم. فأمّا غير ذلك، فلا يدل على قبح ضدّه، لأن قول القائل، كل من زيد، لا يدل على أن المراد تحريم ما عداه، لأنه قد يكون الغرض البيان لهذا خاصه، والآخر موقوف على بيان آخر، وليس كذلك ما ضده قبيح، لأنه قد يكون من البيان تقبيح ضده.

والطيبات قدمنا معناها فيما تقدم، وأن المراد بذلك الخالص من شائب ينغص، وإن كان لا يخلو شيء من شائب، لكنه لا يعتد به في الوصف بأنه حلال طيب، ولو كان في الطعام ما ينغصه لجاز وصفه بأنه ليس بطيب.

والرزق قد بينا فيما مضى: أنه ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه.

وقوله: { واشكروا لله } فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ويكون ذلك عن وجهين:

أحدهما - الاعتراف بالنعمة - متى ذكرها - للمنعم بالاعتقاد لها.

الثاني - الطاعة بحسب جلالة النعمة، فالأول لازم في كل حال من أحوال الذكر، والثاني إنما يلزم في الحال التي يحتاج فيها الى القيام بالحق، واقتضى ذكر الشكر ها هنا ما تقدم ذكره من الانعام في جعل الطيب من الرزق، للانتفاع، واستدفاع المضار، وذكر الشرط ها هنا إنما هو وجه المظاهرة في الحجاج ولما فيه من حسن البيان دون أن يكون ذلك شرطاً في وجوب الشكر، وتلخيص الكلام إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب عليكم بأنه محسن اليكم.

وأما العبادة، فهي ضرب من الشكر، لأنها غاية ليس وارءها شكر، ويقترن به ضرب من الخضوع. ولا يستحق العبادة إلا الله، لأنها تستحق باصول النعم من الحياة، والقدرة، والشهوة، والنفاد، وأنواع المنافع، وبقدر من النفع لا يواريه نعمة منعم، فلذلك اختص الله تعالى باستحقاقها.