Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } * { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } * { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } * { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً }

حكى الله تعالى ان زكريا { خرج على قومه من المحراب } وهو الموضع الذي يتوجه اليه للصلاة. وقال ابن زيد محرابه مصلاه. والاصل فيه مجلس الاشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله { فأوحى إليهم } قيل: معناه اشار الهيم وأومأ بيده يقال: أوحى يوحي ايحاء ووحى يحي ويحا مثل أومى يومي ايماء، وومى يمي ومياً. والايحاء إلقاء المعنى الى النفس في خفى بسرعة من الأمر. واصله السرعة من قولهم: الوحي الوحا أي الأسراع. وقيل: كتب لهم على الارض، والوحي الكتابة.

وقوله { أن سبحوا بَكرة وعشياً } أي اوحى اليهم بأن سبحوا، ومعناه صلوا بكرة وعشيا - في قول الحسن وقتادة - وقيل للصلاة تسبيح، لما فيها من الدعاء والتسبيح، ويقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي.

وقوله { يا يحيى خذ الكتاب } يعني التوارة التي انزلتها على موسى { بقوة } أي بجدّ { وآتيناه الحكم صبيا } معناه أعطيناه الفهم لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة. وروي عن معمر: أن الصبيان، قالوا ليحيى أذهب بنا نلعب، فقال ما للعب خلقت. فانزل الله { وآتيناه الحكم صبياً }.

وقوله { وحناناً من لدنا } معناه وآتيناه رحمة من عندنا - فى قول ابن عباس وقتادة والحسن - وقال الفراء: فعلنا ذلك رحمة لابويه " وزكوة " أي وصلاحاً. وقال الضحاك رحمة منا لا يملك إعطاء ها احد غيرنا. وقال مجاهد: معناه تعطفاً. وقال عكرمة: معناه محبة. واصل الحنان الرحمة، يقال: حنانك وحنانيك قال أمروء القيس:
ويمنعها بنو شمجى بن جرم   معيزهم حنانك ذا الحنان
وقال الآخر:
فقالت حنان ما أتى بك ها هنا   أذو نسب ام انت بالحي عارف
أي امرنا حنان، وتحنن علينا تحنناً أي تعطف قال الشاعر:
تحنن عليّ هداك المليك   فان لكل مقام مقالا
وحننت عليه أحن حنينا، وحناناً، وحنت على الرجل إمراته. وقال ابو عبيدة معمر ابن المثنى أكثر ما يستعمل بلفظة التثنية، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا   حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقوله " وزكاة " أى وعملا صالحاً زكياً - في قول قتادة والضحاك وابن جريج - وقال الحسن معناه: وزكاة لمن قبل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال الجبائي: معناه آتيناه تحننا على العباد ورقة قلب عليهم ليحرص على دعائهم الى طاعة ربهم " وزكاة " اى إنا زكيناه بحسن الثناء عليه، كما يزكي الشهود الانسان { وكان تقياً } أى يتقي معاصي الله وترك طاعته { وبراً بوالديه } اى كان باراً محسناً الى والديه، { ولم يكن جباراً } متكبراً { عصياً } فعيل بمعنى فاعل، ثم قال تعالى { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً } في يوم القيامة، ومعناه ان رحمة الله وسلامه اللذين هما تفضل من الله، هما على يحيى يوم ولد، وإن رحمة الله وسلامه اللذين هما حزاء لاعماله الصالحة، هما عليه يوم يموت ويوم يبعث حيا، في الآخرة. قال قوم معناه: أمان الله له وسلامه يوم ولد من عبث الشيطان له واغوائه اياه، ويوم يموت من عذاب القبر وهول المطلع، ويوم يبعث حيا من عذاب النار واهوال المحشر.