Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن/ الطوسي (ت 460 هـ) مصنف و مدقق


{ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ }

قرأ أبو عمرو { بادئ الرأي } بالهمز في بادي. الباقون بلا همز.

قال ابو علي: حدثنا محمد بن السدّي أن اللحياني قال: يقال: أنت بادي الرأي تريد ظلمنا لا يهمز (بادي) وبادئ الرأي مهموز. فمن لم يهمز أراد أنت أول الرأي ومبتدؤه وهما في القرآن. وقال أبو علي: من قال (بادي الرأي) بلا همز جعله من بدو الشيء وهو ظهوره، وما اتبعك إلا أراذل فيما ظهر لهم من الرأي اي لم يفعلوه بنظر فيه ولا بتبين له. ومن همز أراد اتبعوك في أول الامر من غير فكر فيه ولا روية، والقراءتان متقاربتان، لأن الهمز في اللام منها ابتداء الشيء وأوله وابتداء الشيء يكون ظهوراً، وان كان الشيء الظاهر قد يكون مبتدأ وغير مبتدأ، فلذلك يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر يقولون: انا بادي بدا وبادئ بدء، فاني أحمد الله.

أخبر الله تعالى في هذه الآية عن جماعة الرؤساء من قوم نوح الذين كفروا وجحدوا نبوته أنهم قالوا له { ما نراك إلا بشراً مثلنا } والبشر مأخوذ من ظهور البشرة، لأن الغالب على الحيوان غير الانسان أن يلبس البشرة منه بالصوف أو الشعر أو الريش أو الصدف. والانسان مأخوذ من النسيان، لأنهم يصغرونه إنيسيان ويجوز أن يكون من الأنسان الا أنهم زادوا الياء في التصغير. والمثل ما سد مسد غيره في الجنس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهد لسد مسده كما يسد الاسود مسد الاسود في الجنس من غير فضل. وقوله { ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } حكاية أيضاً عما قاله قوم نوح من أنه ما نرى من اتبعك الا أنه رذل خسيس حقير من جماعتنا تقول: رذل وجمعه أرذل، وجمع الجمع أراذل مثل كلب وأكلب وأكالب والعامل في { الذين } قوله { اتبعك } كأنه قال ما اتبعك الا الذين هم أراذلنا ونراك ملغى، ذكره الفراء. قال ابو علي النحوي: هو نصب على الحال، والعامل فيه { اتبعك } وأخر الظرف وأوقع بعد { إلا } ولو كان غيره لم يجز، لأن الظرف اتسع فيه في مواضع. ومعنى { بادئ الرأي } أول الرأي ما نراهم. والرأي والرؤية من قولهيرونهم مثليهم رأي العين } وهو نصب على المصدر كقولك ضربته أول الضرب. وقال الزجاج: نصبه بـ { اتبعوك أول الرأي } من غير فكر كأنه قيل اتبعوك رأياً غير سديد، ومن قرأ بادي الرأي بلا همز اراد ظاهر الرأي قال الشاعر:
وقد علتني ذرأة بادي بدي   وريثة تنهض في تشددي
وقال آخر:
اضحى لخالي شبهي بادي بدي   وصار للفحل لساني ويدي
وقوله { وما نرى لكم علينا من فضل } تمام الحكاية عن كفار قوم نوح وانهم قالوا لنوح: إنا لا نرى لك ولا مثالك علينا زيادة خير، لأن الفضل هو زيادة الخير، وانما قالوا ذلك، لأنهم جهلوا في طريقة الاستدلال. وقوله { بل نظنكم كاذبين } ايضاً تمام الحكاية عن كفار قومه أنهم قالوا له ولمن آمن معه هذا القول.