Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } * { إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ }

ثم أخبر عن دعائم الغنائم بقوله تعالى: { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ } [الأنفال: 41] إلى قوله: { تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } [الأنفال: 44] الإشارة فيه: { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ } يا أهل الجهاد الأكبر عند الفطرة النفوس التي هي عدوكم وغنائم النفوس المقتولة ما تبدلت به صفاتها من التخلق بأخلاق الله تعالى: { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } [الأنفال: 41] يشير إلى أن ما غنمتم عند رفع حجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار، ولا تنفقون أكثر من خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً { وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ } يعني: الإخوان في الله تواصلاً، { وَٱلْيَتَامَىٰ } يعني: أهل الطلب الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال.

{ وَٱلْمَسَاكِينِ } يعني: الطالبين الصادقين، والذين تمسكوا بأيدي الإرادة أذيال إرشادكم، { وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } يعني: الصادر والوارد من أهل الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة منهم على حسب صدقهم وإرادتهم وطلبهم واستعدادهم واستحقاقهم مؤدياً حقوقهم لله في الله وبالله في متابعة الرسول إلى مقام المعاينة.

{ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ } [الأنفال: 41] عياناً كما آمن الرسول به ليلة المعراج وكوشفتم بحقائق، { وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } [الأنفال: 41] في سر:فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم: 10]، { يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } [الأنفال: 41] الذي فيهٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن: 1-2]، { ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } [الأنفال: 41] جميع الصفات الإنسانية، وجميع الأخلاق الربانية، فصار لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى خلوة لا يسع فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الأنفال: 41] أي: قادر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء من الوجود والبقاء بالمعبود، كما أوصل إليه رسوله، وقد أعطاكم هذه المرتبة وقدركم وأكرمكم بها أيها الصادقون في الطلب، { إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } [الأنفال: 42] أي: نفوسكم بجانب الدنيا نازلة، { وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ } [الأنفال: 42] يعني: الأرواح بأقصى عالم الملكوت.

{ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } [الأنفال: 42] يعني: الهياكل والقوالب بأسفل من الأرواح والنفوس، فإنها أسفل سافلين أي: إلى القوالب، { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } [الأنفال: 42] أيها الأرواح والنفوس والأجساد بالإجماع، { لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ } [الأنفال: 42] لما بينكم من التباين والاختلاف والضدية يعني: لما جمعتم بالاختيار لاختلاف طبائعكم، { وَلَـٰكِن } [الأنفال: 42] جمعكم الله بالقدرة والحكمة، { لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } [الأنفال: 42] ليجعل مرافق أرواحكم في مقعد صدق عن مليك مقتدر بعدما كانت في أقصى الملكوت ومنازل نفوسكم في عالم الأرواح مع الملائكة المقربين.

كما قال تعالى:فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي } [الفجر: 29] بعدما كانت محبوسة في سجن الدنيا، ومقامات أجسادكم في جنات النعيم وأعلى عليين بعدما كانت أسفل سافلين، { لِّيَهْلِكَ } [الأنفال: 42] من أرواح الأشياء المزرؤة لجهنم، { مَنْ هَلَكَ } [الأنفال: 42] بمخالفة الشرائع، وتكذيب الأنبياء، ومتابعة الهوى، ومحبة الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها، { عَن بَيِّنَةٍ } [الأنفال: 42] أي: عن حجة ثابتة عليه بعد اجتماع الأرواح والنفوس والأجساد، مستعدة لقبول الإيمان والكفر وتصديق الأنبياء وتكذيبهم ومتابعتهم ومخالفتهم مستجمعة أسباب تمتعات الدنيوية والأخروية.

السابقالتالي
2