Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } * { وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }

فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا يتجاوزون عمَّا أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها.

{ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ } [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفاً مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " { قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، { وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها.

{ وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ } [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ } [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب:ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لمَّا صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدّاً.

{ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشاً وهو قوله تعالى: { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى:وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [السجدة: 21].