Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } * { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ } * { قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } * { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } * { قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ } * { يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } * { وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ } * { قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } * { قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } * { قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ }

{ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ } [الأعراف: 106] تدل على صدق دعواك، { فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } [الأعراف: 106] لعلنا نهتدي بها، { فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [الأعراف: 107] وإنما جعل الله تعالى عصاه ثعباناً؛ لأنه أضاف العصا إلى نفسه حين قال له:وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] قال:هِيَ عَصَايَ } [طه: 18]، ثم جعلها متوكأ، فقال:أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي } [طه: 18]، ثم جعلها محل حاجاته، فقال:وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ } [طه: 18]، فيه إشارة بأن كل شيء أضفته إلى نفسك ورأيته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك، ولهذا قال القهار: { يٰمُوسَىٰ }؛ يعني: لا تمسك بها ولا تتوكأ عليها، وإلا كان قادراً على أن يجعلها في يده ثعباناً فلما ألقاها من يده { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ } [الأعراف: 108] فيه إشارة إلى أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء وتمسكها بها كانت بيضاء نقية نورانية، فلما تمسكت بالأشياء صارت ظلمانية، فكما ترغب عنها تصير بيضاء كما كانت، فافهم جدّاً.

وإنما قال: { بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ }؛ لأنه تعالى أظهر النور الروحاني على اليد الجسماني؛ ليكون منظوراً للناظرين، فإن اليد الروحاني لموسى عليه السلام كانت نورانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت منظورة للناظرين، فلما أظهر نورانيتها في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية صارت منظورة للناظرين، { قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } [الاعراف: 109].

فلما لم يكن لهم بصيرة ترى بها الآيات نظروا ببصر البشرية فرأوا الآيات سحراً والنبي ساحراً { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [الأعراف: 110]، ولا شك في أن موسى عليه السلام أراد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن من أرض بشريتهم الظلمانية إلى نور الروحانية، { قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } [الأعراف: 111]، توهموا أنهم بالتأخير وحسن التدبير وبذل الجد والتشمير يغيرون شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن الحق غالب والحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا سلطان للعلم والفهم، { وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ } [الأعراف: 113] ظنوا أنهم يغلبون بما يسحرون، وأن لهم أجراً وإن كانوا هم الغالبين، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أبلغ من تأثير سحرهم، وإن أجرهم فيما لو كانوا مغلوبين.

{ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } [الأعراف: 114] أجرى تعالى هذا على لسان فرعون حقاً، وصدق بأنهم صاروا من المقربين عند الله لا عند فرعون، { قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ } [الأعراف: 115] فلمَّا أكرموا موسى بالتقدم وعظموه بالاستئذان أكرمهم الله بالسجود والإيمان، قال ألقوا: { وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } [الأعراف: 115].

{ قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } [الأعراف: 116]؛ أي: عظيم في الإثم، كما قال:سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [النور: 16] وعظم إثم السحر لمعارضته بالمعجزة.