Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } * { ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ } * { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } * { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } * { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }

ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [الشمس: 8].

{ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.

{ ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بِظُلْمٍ } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربَّانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعداً لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } [ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوماً بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولاً، فيخالفونه فيعذبهم بها.

وقد عبَّر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عَمَّا يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 132].

ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } [الأنعام: 133]، إلى قوله:إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ } [الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهاراً لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذُو ٱلرَّحْمَةِ } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { مَّا يَشَآءُ } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.

السابقالتالي
2