Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } * { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } * { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }

{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم.

{ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.

ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى:فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [النساء: 65]، ثم قال { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ } [المائدة: 44]، كما أرسلناك هادياً تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نوراً، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: { بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ } [المائدة: 44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئاً من القرآن: { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ } [المائدة: 44]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى { فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ } [المائدة: 44]، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي } [المائدة: 44]، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء { ثَمَناً قَلِيلاً } [المائدة: 44]، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } [المائدة: 44]؛ لأن من اتخذ حكماً غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليماً، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.