Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } * { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } * { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ } * { فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ }

ثم أخبر عن وفاق أهل النفاق بقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً } [محمد: 16]، يشير إلى أهل الأهواء، الذين هم بمعزل عن السمع الروحاني، إذا طبع الله على قلوبهم بكفرهم، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم، فلا يسمعون دعوة الحق ولا يفهمون، لو يستمعون إليه بسمع الظاهر؛ لأنهم كما قال تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } [محمد: 16]، فضلوا عن سبيل الله.

{ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ } [محمد: 17] إلى طريق الحق، فاستمعوا إلى دعوة الحق { زَادَهُمْ هُدًى } [محمد: 17] في طلب الحق، { وَآتَاهُمْ } [محمد: 17] ربهم { تَقْوَاهُمْ } [محمد: 17]، وهو الاتقاء بالله عما سواه، بل اهتدوا بأنواع المجاهدات، فزادهم هدى بأنوار المشاهدات { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } [محمد: 18]؛ أي ساعة الوصال { أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } [محمد: 18]، وهي غلبات الشوق وصدق الطلب؛ فإنه من شرط الوصال كما قال: " ألا من طلبني وجدني " ، { فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ } [محمد: 18]، ساعة الوصال { ذِكْرَٰهُمْ } [محمد: 18] ببقاء الوجود؛ لأنه من كمال كشف الحقيقة.

{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [محمد: 19]؛ أي: فاعلم بعلم اليقين ألاَّ إله بغير اليقين إلا الله بحق اليقين، فإذا تجلى بصفة علمه الذاتي للجهولية الذاتية للعبد تفنى ظلمة جهوليته بنور علمه، فيعلم بعلم الله ألاَّ موجود إلا الله، فهذا مظنة حسبان العبد أن العالم بعلم الله أنه لا إله إلا الله، كما قال اللهوَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الأنعام: 91]؛ لعلمه، فقيل: { وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } [محمد: 19]؛ إذ حسبت أنك العالم بوحدانية الله؛ لأن من وصفه تعالى أنه لا يعلمه إلا هو، كما أنه لا إله إلا هو، واستغفر لذنبك { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } [محمد: 19] بأنهم يحسبون أنهم يحسنوا علم لا إله إلا الله، فإن من وصفه ما قدروا الله حق قدره.

{ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } [محمد: 19]؛ أي: متقلب كل روح في العدم بوصف خاص إلى عالم الأرواح في مقام مخصوص، { وَمَثْوَاكُمْ } [محمد: 19]؛ أي: مثوى كل روح إلى أسفل سافلين، والقالب بوصف خاص إلى عالم الأرواح، ثم متقلبه من أسفل السافلين القالب بالإيمان والعمل الصالح، أو بالكفر والعمل الصالح إلى الدرجات الروحانية والدركات النفسانية، ثم مثواه إلى عليين القرب المخصوص به، أو إلى سجين البعد المخصوص به مثاله، كما أن لكل حجر ومدد وشجر وحصب يبنى به داراً متقلباً مخصوصاً، وموضعاً من الدار مخصوصاً به لا يشارك شيئاً آخر متقلب؛ ليوضع فيه شيء أخر، كذلك لكل روح متقلب مخصوص به ومثوى مخصوص به، لا يشارك فيه أحداً.