Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } * { فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ }

{ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ } [الأحقاف: 32]؛ أي: ومن لم يبدل أخلاقه بترك الدنيا والرغبة في الآخرة والتوجه إلى الله، فليس الله بعاجز في إخراجه من الدنيا { وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ } [الأحقاف: 32] لينقذوه من النار، { أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الأحقاف: 32]، ومأوى أهل الضلال السعير.

ثم أخبر عن قدرة إحياء الموتى هدى لأهل النهي بقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } [الأحقاف: 33]، يشير إلى سماوات القلوب { وَٱلأَرْضَ } [الأحقاف: 33]، أرض النفوس، { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } [الأحقاف: 33]، فيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق سماوات القلوب حية بحياة روحانية، لكنها ميتة من حياة ربانية، وليس لشيء غير الإنسان هذه الكرامة أن يحيه الله بالنور الرباني، كما قال تعالى:أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ } [الأنعام: 122]، { بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ } [الأحقاف: 33-34]، يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } [الأحقاف: 34]؛ أي: العذاب الذي كنتم به معذبين في البعد والقطيعة وإفساد الاستعداد الأصلي لقبول الكمالات وبلوغ القرب، ولكن ما كنتم تذوقون مرارة ذلك العذاب وحرقته؛ لغلبة الحواس الظاهرة وكلالة الحواس الباطنة { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } [الأحقاف: 34]، تسترون الحق بالباطل.

وبقوله: { فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } [الأحقاف: 35]، يشير إلى صبر من كان قصده وعزمه إلى الله، فيصبر عما سواه ما يحجبه عن الله، ويصير على مقاساة ما يوصله إلى الله كما قيل لبعضهم بما وجدت ما وجدت قال: بعزيمة كعزيمة الرجال، وأولوا العزم من لا يكون في عزمه مسخ ولا في طلبه نسخ، ثم قال: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } [الأحقاف: 35]؛ أي: العذاب ومهلهم؛ لتستعدوا بالتمتعات الحيوانية للعذاب العظيم، فإني أمهلهم رويداً { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } [الأحقاف: 35] من ذوق العذاب { لَمْ يَلْبَثُوۤاْ } [الأحقاف: 35] في التمتع بنعيم الدنيا { إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } [الأحقاف: 35]؛ لشدة ألم العذاب الروحاني بالنسبة إلى التنعم الجسماني، ثم قال: { بَلاَغٌ } [الأحقاف: 35]، إن هذه الإشارة بلاغ من الله إلى أهل الله وطالبيه، فإن العبد يضرب بالعصا والحر تكفيه الإشارة { فَهَلْ يُهْلَكُ } [الأحقاف: 35] على الله { إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [الأحقاف: 35]، الذين خرجوا من عزم طلبه إلى طلب ما سواه.