Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } * { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } * { وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ }

وبقوله: { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [الأحقاف: 19]، يشير إلى أن من منة الله أن يجازي على حسب أعمالهم من الخير والشر، ولكل واحد من السعادة والشقاوة، وبحسب أعمالهم ونياتهم فيها منازل يبلغونها، وهم لا يظلمون في التوفية.

ثم أخبر عن آثار أهل النار بقوله تعالى: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } [الأحقاف: 20]، يشير إلى أن للنفس طيبات من الدنيا الفانية، وللروح طيبات من الآخرة الباقية، من اشتغل باستيفاء طيبات نفسه في الدنيا يحرم في الآخرة من استيفاء طيبات روحه؛ لأن في طلب استيفاء طيبات النفس إبطال استعداد الروح في استيفاء طيباته في الآخرة مودعة، وفي ترك استيفاء طيبات النفس في الدنيا كمالية استعداد الروح في استيفاء طيبات في الآخرة مودعة؛ فلهذا يقال لأرباب النفوس: { فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } [الأحقاف: 20]، بأنكم استكبرتم في قبول دعوة الأنبياء في ترك شهوات النفس واستيفاء طيباتها؛ لئلا تضيع طيبات أرواحكم، { وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } [الأحقاف: 20] تخرجون من أوامر الحق ونواهيه، ويقال للروح وأرباب القلوب:كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ } [الحاقة: 24] في الأيام الخالية، ولما كانت نفوسهم تاركة لشهواتها بتبعية الروح، يقال لهم:وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ } [فصلت: 31]؛ أي: من نعيم الجنة فإنها من طيباتها وتلذ الأعين، وهو مشاهدة الجمال والجلال وهي طيبات الروح.

وبقوله: { وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الأحقاف: 21]، يشير إلى أن كل نبي بعث لإنذار قومه: { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ }؛ أي: لا تعبدوا النفس وهواها وشهواتها الدنيوية؛ لكي لا يذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فإن فيها عذاباً عظيماً عظيماً، وهو: فوت الدرجات والقربات، ونيل الدركات بإتباع الشهوات.

وبقوله: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا } [الأحقاف: 22]، يشير إلى طباع النفوس المتمردة، التي اتخذت هواء نفسها وشهوات الدنيا، وزينتها آلهة يعبدونها، فمن تدعوهم منها إلى الله وقربه ومعرفته يجيبونه من غاية جهلهم، وكمال شقاوتهم: أجئتنا لتعرضنا بالإفك عن ألهتنا، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ } [الأحقاف: 22] من العقاب والثواب، { إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } [الأحقاف: 22]، إن عبادة الهوى تورث العذاب العظيم، وإن عبادة الإله تورث الثواب العظيم.

{ قَالَ } [الأحقاف: 23] أرباب القلوب: { إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ } [الأحقاف: 23]، من يكون أهلاً للثواب ومن يكون أهلاً للعقاب، وكما أن الطبيب الحاذق يعلم بنبض المريض أنه فيم علاجه، ومتى ما يصلح للمريض من الأشربة والمغامن الموافقة له في كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال، وإنما أنا مبلغ { وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ } [الأحقاف: 23] من الأنوار، { وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } [الأحقاف: 23] الصواب من الخطأ والصلاح من الفساد خيرٌ أدلكم على الرشاد.