Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } * { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } * { فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } * { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } * { يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ }

وبقوله: { وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } [الزخرف: 63] يشير إلى أن الأنبياء عليهم السلام كما يجيئون بالكتاب من عند الله يجيئون بالحكمة مما آتاهم الله كما قال تعالى:وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ } [البقرة: 151]، وقال:وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } [البقرة: 269]؛ ولهذا قال: { وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } [الزخرف: 63]؛ لأن البيان عما تختلفون هو الحكمة، { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [الزخرف: 63] فإن طاعتي الحق كما قال:مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء: 80]، { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } [الزخرف: 64]؛ أي: لا تعبدوني فإن بالعبودية شريك معكم، وإنه متفرد في ربوبيته إيانا، { هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } [الزخرف: 64] أن نعبده جميعاً { فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } [الزخرف: 65]؛ يعني: قومه تحزبوا عليه حزب آمنوا بأنه عبد الله ورسوله، وحزب آمنوا بأنهثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } [المائدة: 73] فعبدوه بالإلهية، وحزب اتخذوه ولداً لله وابناً لهتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا } [النمل: 63] يقول الظالمون، وحزب كفروا به وجحدوا نبوته، وظلموا عليه وأرادوا قتله، فقال تعالى فيهم: { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } [الزخرف: 65]؛ أي: أليم عذابه، { هَلْ يَنظُرُونَ } [الزخرف: 66]؛ أي: الذين تحزبوا عليه، { إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [الزخرف: 66] بإتيانها، فيجازي كل حزب بحسب أختلافهم فيه.

ثم أخبر عن وصف الأخلاء والأصدقاء على المعصية في الدنيا بقوله تعالى: { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67] يشير إلى أن كل خلة وصداقة تكون في الدنيا مبنية على الهوى، والطبيعة الإنسانية تكون في الآخرة عداوة يتبرأ بعضهم من بعض وبعض، والأخلاء في الله خلتهم باقية إلى الأبد وينتفع بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، وهم المتقون الذين استثناهم الله تعالى، وشرائط الخلة في الله أن يكونوا متحابين في الله، خالصة لوجه الله من غير شوب بعلة دنيوية هوائية متعاونين في طلب الله ولا يجري بينهم مداهنة، فبقدر ما يرى بعضهم في بعض صدق الطلب والجد في الاجتهاد ليساعده ويرافقه ويعاونه، فإذا علم منه شيئاً لا يرضاه الله لا يرضى من صاحبه ولا يدار به، فقد قيل: المداراة في الطريقة كفر؛ بل ينصحه بالرفق والموعظة الحسنة، فإذا عاد إلى ما كان عليه وترك ما [لا يرضي ربه] يعود إلى صدق مودته وحسن صحبته كما قال تعالى:وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } [الإسراء: 8]، وبقوله: { يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } [الزخرف: 68] يشير إلى أن من أعتقه الله من رق المخلوقات، واختصه بشرف عبوديته في الدنيا لا خوف عليه يوم القيامة من شيء يحجبه عن الله، ولا يحزن على ما فاته من نعيم الدنيا والآخرة مع استغراقه في لجي بحر المعارف والعواطف، ثم وصفهم وشرح سيرتهم فقال: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا } [الزخرف: 69]؛ أي: بأنوار شواهد تجلي آثار صفاتنا آمنوا إيماناً عيانياً { وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } [الزخرف: 69] في البداية لأوامرنا ونواهينا في الظاهر، وفي الوسط مسلمين لآداب الطريقة على وفق الشرع بتأديب أرباب الحقيقة في تبديل الأخلاق والتزكية في الباطن، وفي النهاية مسلمين للأحكام الأزلية والتقديرات الإلهية، وجريان الحكم ظاهراً وباطناً في الإخراج عن ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.