Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ } * { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } * { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } * { وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } * { فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } * { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }

ثم أخبر عن آياته البينات بقوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ } [الشورى: 32] يحثهم على الفكرة المنبهة لهم في السفن التي تجري في البحار، فيرسل الله تعالى الرياح مرة ويسكنها أخرى وما يريهم من السلامة والهلاك، والإشارة في هذا إلى مسلك الناس في خلال فتن الوقت من الأنواع المختلفة، ثم حفظ العبد في إيواء السلامة، وذلك يوجب خلوص الشكر الموجب له جزيل المزيد فيه إشارة أخرى، { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ } جواري سنن هممهم العالية في بحر الدنيا، جارية بريح العناية الأزلية إلى ساحل الحضرة الربوبية بغير سكون والتفات إلى ما في بحر الدنيا، { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ } [الشورى: 33]؛ أي: على ظهر البحر بفضله وكرمه، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [الشورى: 33] يشير إلى كل من صبره بالله وشكره بالله، فإنه تعالى هو الصبور الشكور، { أَوْ يُوبِقْهُنَّ } [الشورى: 34] بعدله وقسطه { بِمَا كَسَبُوا } [الشورى: 34] من موجبات الهلاك، { وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 34]؛ أي: وإنه يعفو عن كثير من الذنوب المهلكات، { وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا } [الشورى: 35] بالهوى والطبيعة من غير بينة { مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } [الشورى: 35] خلاص من الله وعذابه، ثم قال: { فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [الشورى: 36]؛ يعني: إن الراحات في الدنيا لا تصفو من المشائب ولا تخلو، وإن أنفق البعض منها من الأجانين فإنها سريعة الزوال وشبكة الارتحال، { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } [الشورى: 36] من الثواب الموعود { خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } [الشورى: 36] من هذا القليل الموجود؛ بل ما عند الله من الألطاف الخفية، والمقامات العلية، والمواهب السنية خير وأبقى مما في الدنيا والآخرة، { لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [الشورى: 36] لا على الدنيا ولا على الآخرة، { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ } [الشورى: 37] وهو حب الدنيا ومتابعة الهوى، فإنهما رأس كل خطيئة ومنشؤها، { وَٱلْفَوَاحِشَ } [الشورى: 37] وهي الاشتغال بطلب الدنيا وصرفها في اتباع الهوى، { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } [الشورى: 37]؛ أي: يتجرعون كاسات الغضب النفسانية بأفواه القلوب الروحانية، ويسكنون سورة الصفة الشيطانية، { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ } [الشورى: 38] فيما دعاهم إليه بخطابٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28]، { وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ } [الشورى: 38]؛ أي: أداموا بالحضور والمراقبة والسير، وبقوله: { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } [الشورى: 38] يشير إلى التمسك بذيل إرادة المشايخ في السلوك إلى الحضرة؛ ليتسلكوا بمشاورتهم وإرشادهم لا باسترسال النفس والهوى وتلقين الشيطان، كما قال الجنيد: " من لم يكن له أستاذ فأستاذه الشيطان " ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } [الشورى: 38] من الولاية والهداية { يُنفِقُونَ } [الشورى: 38] على طالبي أرباب طلب الله بصدق الإرادة.