Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } * { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } * { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }

ثم أخبر عن رعاية العبودية وعناية الربوبية بقوله تعالى: { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } [ص: 41]، يشير إلى معانٍ مختلفة:

منها: إن من شرط عبودية خواص عبادنا من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء، والرضاء بجريان أحكام القضاء.

ومنها: ليعلم أن الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض أنبيائه أو أوليائه لا يكون لإهانتهم؛ بل يكون لعزتهم وإعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم العبدية، ودرجة الصابرين المحبوبين.

ومنها: إن العبادات من الأنبياء والأولياء لو لم يكونوا من كنز عصمة الله وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب.

ومنها: إن من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضرر والبلاء والمحن عليها إلا على الشيطان، كما قال يوسف:مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } [يوسف: 100]، وقال يوشع عليه السلام:وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ } [الكهف: 63]، وقال موسى عليه السلام:هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ } [القصص: 15].

ومنها: ليعلم ما بلغ من بلغ مقام الرجال البالغة إلا بالصبر على البلوى، وتفويض الأمور إلى المولى، والرضاء بما يجري عليه في القضاء.

وبقوله: { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } [ص: 42]، يشير إلى أن الله تعالى إذا نظر إلى العبد بنظر الرضاء يبدل مرضه بالشفاء، وشدته بالرخاء، وجفاه بالوفاء، ويخرج من تحت قدميه بركضته ينبوعاً ينبع منها مغتسل العلل، ومشرب أرباب الملك.

وبقوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [ص: 43]، يشير إلى كمال القدرة على الإيجاد والإفناء، والإحياء والإماتة، والإعادة إظهاراً للرحمة، وموعظة لأرباب القلوب الحية.

وبقوله: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } [ص: 44]، يشير إلى معانٍ مختلفة:

منها: إظهاراً لبراءة ساحة المرأة من كل ريبة توهمها في حقها أيوب عليه السلام.

ومنها: إن الله تعالى أراد أن يعصم نبيه أيوب عليه السلام عن الذنبين اللازمين أحدهما، إما الظلم، وإما الحنث.

ومنها: إنه تعالى أراد ألاَّ يضيع أجر إحسان المرأة مع زوجها، ولا يكافئها بالخير شراً، وتبقى ببركتها هذه الرخصة في الأمم إلى يوم القيامة.

وبقوله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 44]، يشير إلى أن أيوب عليه السلام لم يكن ليجد نفسه صابراً، { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً } [ص: 44]؛ أي: جعلناه صابراً، يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه عليه السلام:وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } [النحل: 127]؛ أي: هو الذي صبرك، وإلا لم تكن تصبر، وقوله: { نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } [ص: 44] يدل على أنه تعالى جعله صابراً؛ لأنه كان نعم العبد، وإنما كان نعم العبد؛ لأنه كان أواباً راجعاً إلى الحضرة في طلب الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء.