Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } * { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } * { وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } * { إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } * { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } * { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }

ثم أخبر بعد السير في الفلك بقوله تعالى: { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } [يس: 41]، يشير إلى حمل عباده في سفينة الشريعة خواضهم في بحر الحقيقة، دعواتهم في بحر الدنيا، فإن من نجا من تلاطم أمواج الهوى في بحر الدنيا، إنما نجا بحمله العناية في سفينة الشريعة، وكذلك من تلاطم أمواج الشبهات في بحر الحقيقة بحمله عواطف إحسان ربه في سفينة الشريعة، بملاحية أرباب الطريقة.

{ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } [يس: 42] وهو جناح من المشايخ الواصلين الكاملين، { وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ } [يس: 43] يعني: العوام في بحر الدنيا، والخواص في بحر الحقيقة بكسر سفينة الشريعة كما ركب كثير من المتمنين بحر الحقيقة بلا سفينة الشريعة، أو كسروا الشريعة أُغرِقوا فأُدخلوا ناراً { فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ } [يس: 43-44]، وهم المشايخ، فإنهم صورة رحمة الحق تعالى، { وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ } أي: حين تدركهم العناية الربانية.

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ } [يس: 45]، احذروا { مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } [يس: 45] من الدنيا وما فيها من شهواتها ولذائذها، { وَمَا خَلْفَكُمْ } [يس: 45] من الآخرة وما فيها من نعيمها وحورها وقصورها وأشجارها وأثمارها وأنهارها، وما تشتهي الأنفس وتَلذ الأعين فيها { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [يس: 45] بمشاهدة الجمال ومكاشفة الجلال وكمالات الوصال.

{ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ } [يس: 46]، وهم الرجال البالغون الكاملون في الدين من أرباب الحقيقة وأهل اليقين { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } [يس: 46]، هذا حال المسيئين في أودية الخذلان الموسومين بسمة الحرمان، فلا يأتيهم منه آية من آيات الله؛ لينجيهم من بحر الغفلة ويريحهم من تيه الحيرة إلا قابلوه بإعراضهم ونازعوه باعتراضهم.

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله } [يس: 47]، من الأموال والأهالي في طلب الحق تعالى بالتجريد والتفريد، { قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } [يس: 47] به: { أَنُطْعِمُ } [يس: 47]، من أموالنا { مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } [يس: 47] خيراً من أموالنا، { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [يس: 47] في طلب الحق وترك الدنيا، بل هذا قول الرجال البالغين لهؤلاء الذين لعب بهم الشيطان وأضلَّهم عن سبيل الرَّشاد، { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [يس: 47]، في طلب الدنيا وترك لقاء المولى، ومن غاية ضلالتهم وفرط جهالتهم، { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [يس: 48]، يستعجلون تخوم الساعة ويستبطئون قيام القيامة، لا عن تصديق يزيحهم عن شكهم، أو خوف يمنعهم عن غيهم، ولكن تكذيباً لدعوة الرسل، وإنكاراً على أوضح السبل، واستبعاداً للنشر والحشر.

قال الله تعالى: { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } [يس: 49]، بإنكار النشر والحشر أهل الإقرار به، { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } [يس: 50] أي: توصية بعضهم بعضاً في ترك الخصومة { وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } [يس: 50] للاستبصار.