Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } * { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } * { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } * { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }

ثم أخبر عن أحوال أهل الشقاوة وأعمال أهل الشقاوة بقوله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] يشير إلى إيراثهم الكتاب حيث علمهم القرآن بلا واسطة كما قال:ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن: 1-2] وذلك قبل خلقهم؛ لأنه قال:ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ } [الرحمن: 1-3] أي: علمهم القرآن وهم بلا هم وهذا علم القرآن لسان الطيور ثم خلقهم؛ لأنه قال وعلمهم البيان قالخَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } [الرحمن: 3-4] وهذا النوع من الإيراد مخصوص بهذه الأمة لأنه كما جاء في الخبر لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: " أمتي ورب الكعبة ثلاث مرات " وإنما ذكر بلفظ الميراث لأن الميراث يقتضي صحة النسب أو صحة السبب على وجه مخصوص، فمن لا سبب له ولا نسب ولا ميراث له فالسبب هاهنا طاعة العبد والنسب فضل الرب فأهل الطاعة هم أهل الجنة.

كما قال تعالى:أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } [المؤمنون: 10-11] فهم ورثوا الجنة بسبب الطاعة وأصل ارثهم بالسببية المبايعة التي جرت بينهم وبين الله بقوله:إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ } [التوبة: 111] فهؤلاء أطاعوا الله بأنفسهم وأموالهم فأدخلهم الله الجنة جزاء بما كانوا يعملون وأهل الفضل هم أهل الله وفضله معهم بأن أورثهم المحبة والمعرفة والقربة.

كما قاليُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] إلى قوله:ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } [المائدة: 54] فمن لا سبب له ولا نسب فلا ميراث له ولما كانت الوراثة بالنسب والسبب، وكان السبب جنساً واحداً كالزوجية وهي صاحب الفرض وكان النسب من جنسين الأصول والفرع الأصول كالآباء والأمهات، والفرع كما يتولد من الأصول كالأولاد والإخوة والأخوات وأولادهم والأعمام وأولادهم وهم صاحب فرض وعصبة فصار مجموع الورثة ثلاثة أصناف صنف صاحب الفرض بالسبب وصنف صاحب الفرض بالنسب وصنف صاحب الباقي وهم العصبة كذلك الورثة هاهنا ثلاثة أصناف. كما قال تعالى: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } [فاطر: 32] ثم نقول ولنا أن نجعل الأفضل منهم المقدم كما قدمه الله وهو الظالم لنفسه قدمه على السابق، ولنا أن نجعل الأفضل منهم الأخير وهو السابق فأما تقديم الظالم فبأنه قد ظلم على نفسه في البداية والوسط والنهاية لله وفي الله وبالله.

أما في البداية: فبأنه لما عرض الله تعالى الأمانة على السماوات وأهلها والأرض وأهلها والجبال وأهلهافَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب: 72] لأنه ظلم على نفسه لما قصد وضع الأمانة القديمة بحملها في غير موضعها، وهو محمل الإنسان الذي خلق ضعيفاً ولهذا لما زلت قدم آدم عليه السلام من ثقل حمل الأمانة، قال:

السابقالتالي
2 3 4