Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } * { ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } * { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } * { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } * { هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }

وقوله: { مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ } [الأحزاب: 38] يشير إلى أن الله تعالى إذا قضى أمر النبي أو الولي لم يجعل عليه في ذلك من حرج ولا سبب نقصان، وإن كان في الظاهر سبب نقصان ما عند الخلق { سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } [الأحزاب: 38] من الأنبياء والأولياء { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } يعني: الذي يجري على الأنبياء والأولياء { قَدَراً مَّقْدُوراً } [الأحزاب: 38] قضاء مبرماً مبنياً على حكم كثيرة.

ثم وصفهم فقال: { ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } [الأحزاب: 39] في أداء الرسالة ورعاية حقوق الأمم وحفظ مصالح الدين { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } [الأحزاب: 39] حافظاً لمصالحهم ومحاسباً لهم بكرمهم وبقوله: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ } [الأحزاب: 40] يشير إلى قطع نسبه إلى الخلق وتصحيحه إلى النبوة والرسالة بقوله: { وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ } [الأحزاب: 40] ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كل حسب ونسب منقطع إلا حسبي ونسبي " ويقول: " لست كأحدكم " وبقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [الأحزاب: 40] يشير إلى إحاطة علمه من الأزل إلى الأبد بما كان ويكون فيما بينهما كما هو مع تغير أحوال المعلومات بلا تغير العلم بها من غير أن يشغله شأن من شأن علم معلوم له على صفة معينة عن شأن علمه بذلك المعلوم له اليوم على غير الصفة المعينة بالأمس.

ثم أخبر عن كثرة الذكر وترجيحه على الفكر بقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } [الأحزاب: 41] يشير إلى أن أحبوا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحبَّ شيئاً أكثر ذكره " فأوجب الله تعالى محبته بالإشارة في الذكر الكثير، وإنما أوجبها بالإشارة دون العبارة الصريحة؛ لأن أهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحر يكفيه الإشارة، وإنما لم يصرح بوجوب المحبة؛ لأنها مخصوصة بقوله دون سائر الخلق، كما قال تعالى:فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] فعلى هذا بقوله:فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152] يشير إلى أن أحبوني أحببكم.

ثم يقول: { هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ } [الأحزاب: 43] يشير إلى أنكم إن تذكرون بذكر محدث، فإني قد صليت عليكم لما وفقتم لذكري كما أن محبتي لو لم تكن سابقة على محبتكم لما هديتم إلى محبتي، وأما صلاة الملائكة فإنما هي دعاء لكم على أنهم وجدوا رتبة الموافقة مع الله في الصلاة عليكم ببركتكم، ولولا استحقاقكم لصلاة الله عليكم لما وجدوا هذه الرتبة الشريفة.

ثم قال: { لِيُخْرِجَكُمْ } [الأحزاب: 43] وما قال: لتخرجكم لمعنيين:

أحدهما: لئلا يكون للملائكة منة عليكم بإخراجكم من الظلمات إلى النور.

والثاني: لأنهم لا يقدرون على ذلك لأن الله هو الهادي من الضلالة إلى الإيمان؛ بل هو الذي يخرجكم من ظلمات البشرية وصفاتها إلى نور الروحانية وصفاتها ومن ظلمات الخليقة الروحانية إلى نور الربوبية بجذبات تجلي ذاته وصفاته، { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأحزاب: 43] في الأزل قبل إيجاد الملائكة { رَحِيماً } [الأحزاب: 43] بأن يرحم عليهم بإخراجهم من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي دون غيرهم من الملائكة المقربين، فافهم جدّاً.