Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ الۤـمۤ } * { غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } * { فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } * { فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } * { بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } * { وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }

{ الۤـمۤ } [الروم: 1] يشير بالألف إلى ألفة طبع الموضع بعضهم لبعض، وباللام يشير إلى أن ألفة المؤمنين لما كان من كرم الله وفضله بالله ألف بين قلوبهم انتهت إلى غاية حصلت ألفة ما بينهم وبين أهل الكتاب إذا كانوا يوماً من أهل الإيمان وإن كان اليوم خالياً عن ذلك، وإنه لو عم الكافرين لما كان جليّاً غلب عليهم حتى من لؤم طبعهم أنهم يعادون بعضهم بعضاً، وأن مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم وإحسانه القديم انتهت إلى غاية شملت الفريقين ليتوب على العاصي من الحزبين ويعم الطائفتين خطاب:إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } [الزمر: 53].

وبقوله: { غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } [الروم: 2-3] يشير إلى إعجاز القرآن وصحة نبوة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخبر عن حال غيبي، وأنه جاء كما أخبر بعد سبع سنين، وفيه إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بحسب الأوقات، ففي بعض الأحوال يغلب فارس النفس على روم القلب للطالب الصادق فينبغي ألا يزل هذا قدمه عن صراط الطلب ويكون له قدم صدق عند الله بالثبات.

وأما قوله: { وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } [الروم: 3] أي: سيغلب روم القلب على فارس النفس بتأييد الله ونصرته { فِي بِضْعِ سِنِينَ } [الروم: 4] من أيام الطلب { لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [الروم: 4] يعني: غلبة فارس النفس على روم القلب كان أولاً بحكم الله وتقديره، وله في ذلك حكمة بالغة في صلاح الحال والمآل ألا ترى أن فارس نفس جميع الأنبياء والأولياء في البداية غلبت على روم قلبهم ثم غلبت روم قلبهم على فارس نفسهم ومن بعد غلبة روم القلب على فارس النفس أيضاً يحكم الله فإنه يحكم فلا معقب لحكمه.

{ وَيَوْمَئِذٍ } [الروم: 4] يعني: يوم غلبت الروم { يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } [الروم: 4] يعني: الروح والسر والعقل { بِنَصْرِ ٱللَّهِ } [الروم: 5] المؤمنين على الكافرين { وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } [الروم: 5] فبعزته يعز أولياءه ويذل أعداءه، { ٱلرَّحِيمُ } [الروم: 5] برحمته ينصر أهل محبته وهم أرباب القلوب { وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } [الروم: 6] من نسي ألطافهم معهم.

{ لاَ يَعْلَمُونَ } [الروم: 6] صدق وعده ووفاء عهده لأنهم، { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [الروم: 7] يجدون ذوق حلاوة شهوات الدنيا بالحواس الظاهرة { وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ } [الروم: 7] كمالاتها ووجدان دون شهواتها بحواس الباطلة أنها موجبة للبقاء الأبدي وأن عسل شهوات الدنيا مسموم يُهلك { هُمْ غَافِلُونَ } [الروم: 7] لاستقرائهم في بحر البشرية وتراكم أمواج أوصافها الذميمة.