Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } * { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } * { فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

{ وَمِنْ آيَاتِهِ } [الروم: 46] أي: من أمارات فضله وكرمه { أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } [الروم: 46] يرسل رياح الرجاء على قلوب العوام فتكنس قلوبهم عن عبادة المعاصي، وغناء اليأس وتبشرها بدخول نور الإيمان، ثم يرسل رياح البسط على أرواح الخواص فتطهرها من وحشة القبض ودنس الملاحظات، وتبشرها بدوام الوصال والارتياح به ولكن بعد احتياج لكن { وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ } [الروم: 46] أي: من رحمة الخاصة وهي تجلي صفاته فتستغرقون في بحر ألطافه.

{ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ } [الروم: 46] فلك القلوب فيه { بِأَمْرِهِ } بكرمه وحسن رعايته، { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [الروم: 46] وهو الاتصاف بصفاته والانتفاء هو انتفاء الصفات في صفاته، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [الروم: 46] ببذل الوجود لنيل المقصود فإن الشكر يقتضي المزيد والمزيد في هذا المقام إفناء الذات في ذاته تعالى ليبقى بإبقائه { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } [الروم: 47] يشير به إلى المتقدمين من المشايخ المتصوفين لتربية قومهم من المريدين ودلالتهم بالتسليك إلى حضرة رب العالمين.

{ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } [الروم: 47] على لسان التحقيق في بيان الطريق لأهل التصديق فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومن عارضهم بالإنكار والجحود فابتلاهم بعذاب الخلود في الإبعاد والجحود وذلك تحقيق قوله: { فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } [الروم: 47] أي: أنكروا، { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } [الروم: 47] المتقربين إلينا أن ننصرهم بتقربنا إليهم.

ثم شرح معنى تقربه إلى العباد بقوله: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ } [الروم: 48] رياح عطف وجوده { فَتُثِيرُ سَحَاباً } [الروم: 48] من ألطافه { فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ } [الروم: 48] سماء قلوبهم { كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } [الروم: 48] قطعاً، قطعة: تمطر غيث القربة على النفوس فتطهرها من الذنوب، وقطعة: تمطر على الأسرار بغيث الأنوار فتطهرها عن النظر إلى الأغيار، وقطعة: تمطر على الأرواح بغيث الكشف على الأسرار فتطوى ببساط الحشمة على ساحات قربه وتضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أنهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه ويسقيهم بكأس التجلي شراب طهور محبته، وبعدما محاهم عن أوصافهم أصحاهم لا بهم ولكن بنفسه والعبارات عن ذلك خرس والإشارات دونها طمس، هذه حقائق قوله: { فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [الروم: 48] بألطاف الربوبية.

{ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } [الروم: 49] مطر العناية، { مِّن قَبْلِهِ } [الروم: 49] أي من قبل مطر العناية { لَمُبْلِسِينَ } [الروم: 49] آيسين من نزول المطر آيسين أيضاً من كمالية مطر العناية أن يكون كما استبشروا به؛ لأن حقائق تلك العناية ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ثم أخبر عن آثارها التي هي قريبة من فهم الإنسان لا عن حقيقتها، فإنه من لم يذق لا يدري فقال: { فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ } [الروم: 50] أي رحمتها الخاصة { كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ } [الروم: 50] أرض القلوب بالفيض الإلهي { بَعْدَ مَوْتِهَآ } [الروم: 50] بكبائر الذنوب، { إِنَّ ذَلِكَ } [الروم: 50] أي أن الآثار التي تراها { لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ } [الروم: 50] فهو الله المحيي يحيي الموتى من القلب بتجلي صفة المحيي للقلوب الميتة فيحيها، { وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الروم: 50] من أحيا قالب الإنسان بعد موته في الحشر ومن أحيا قلب بعد موته في الدنيا.