Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } * { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } * { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } * { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } * { وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } [القصص: 66] لا يحتجون بحجةٍ لاستيلاء الحيرة عليهم واستكان المدهش منهم فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ولا فهم { فَأَمَّا مَن تَابَ } رجع إلى الحضرة على قدمي المحبة وصدق الطلب { وَآمَنَ } بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة إلى الله، { وَعَمِلَ صَالِحاً } ليتمسك بذيل متابعة دليل كامل واصل صاحب قوة وقدرة يوصله إلى الله تعالى { فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } الفائزين عن أسرار النفس المخلصين من حبس الأنانية إلى فضاء وسعة من الهوية.

ثم أخبر عن المختار لنيل هذه الأسرار بقوله تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } [القصص: 68] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ } [القصص: 68] يشير إلى مشيئته الأزلية في الخلق والاختيار في خلق، وأنه مختار يخلق ما يشاء كيف يشاء ثم يشاء ولا يشاء متى يشاء وله الاختيار في خلق الأشياء، فيختار وجود بعض الأشياء على عدمه فيوجده، ويختار عدم بعض الأشياء على وجوده فيعدم، ويختار بقاء بعض الأشياء في الوجود فيجعله باقياً ولا يفنيه، ويختار بعض الأشياء في العدم فينشئه فانياً في العدم ولا يوجده.

وله الخيرة في أن: يخلق بعض الأشياء جماداً وبعض الأشياء نباتاً وبعض الأشياء حيواناً وبعض الأشياء إنساناً. وأن يخلق: بعض الإنسان كافراً وبعض الإنسان مؤمناً وبعضهم وليّاً وبعضهم نبياً وبعضهم رسولاً. وان يخلق: بعض الأشياء شيطاناً وبعضها جناً وبعضها ملكاً وبعض الملك كروبياً وبعضهم روحاً.

وله أن يختار: بعض الخلق مقبولاً وبعضهم مردوداً وليس لشيء من هذه الأشياء اختيار فيما هو به ولا أن يكون شيئاً آخر بعدما اختار له الله، كما قال: { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } [القصص: 68] من أمرهم أي: في وجودهم على ما هم به لا على غير ما هم به، { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ } منزه { عَمَّا يُشْرِكُونَ } ويشاركون له في الاختيار.

وبقوله: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } [القصص: 69] يشير إلى مكنونات الأوصاف النفسانية والأوصاف القلبية والأوصاف السرية والأوصاف العقلية والأوصاف الروحية، فإنه هو الذي أودع في وجود هذه الودائع حين خمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً فهو العالم الخبير به، كما قال:أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } [الملك: 14] هو الخبير بما أودع فيه من الأوصاف وهي على ضروب ثلاثة:

ضرب منها: ما هو فيه بالقوة ولم يحصل فيه بالفعل فلا يطبع عليه صاحبه إلا بعد حصوله بالفعل فيظهر فيه داعية استعمال فيطبع عليه أن فيه هذه القصة وإن لم يستعملها حتى يصير علناً فيبقى فيه سراً مكنوناً فالله يعلم سره وعلانيته، كما قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } [القصص: 69] أي: ما يخفون { وَمَا يُعْلِنُونَ } [القصص: 69] أي: ما يظهرون.

السابقالتالي
2