Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } * { وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } * { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } * { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } * { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } * { وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }

{ قَالُواْ } [النمل: 47] معنى النفس وصفاتها للقلب وصفاته { ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } [النمل: 47] وذلك أن نور الإلهام الرباني ينعكس عن القلب إلى النفس فيمنعها عن استيفاء حظها من الشهوات الدنيوية بالحرص والشدة على وفق طبعها { قَالَ } يعني: القلب: { طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي: هذا الذي أصابكم من نور الإلهام إنما جاء من عند الله وهذا كرامة منه لكم { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } بشهوات الدنيا وزينتها فلا تعرفون قدر نعم الله في حقكم.

وبقوله: { وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ } [النمل: 48] يشير إلى مدينة القالب الإنساني وخواص العناصر الأربعة من الخواص الخمسة، فإنهم { يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ } أرض القلب بإفساد الاستعداد الفطري الذي فطر الناس عليها لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة وهي مخصوص بالقلب بين سائر المخلوقات، كما قال في حديث رباني: " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " { وَلاَ يُصْلِحُونَ } أي: ليس في النفس ومفاتنها المتولدة من العناصر والماديات بما داخلها من آفات الحواس وصلاحية قبول الفيض الإلهي إلا بانعكاس أنواره من مرآة القلب عليها فتطمئن بها فيتلون بلون القلب المنور بنور الفيض، وإلى هذا المعنى أشار بقوله:فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي } [الفجر: 29-30] تفهم إن شاء الله تعالى.

وبقوله: { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } [النمل: 49] يشير إلى موافقة خواص العناصر الأربعة مع الآفات الداخلة من الحواس الخمسة واتفاقهم على تبنيهم القلب وصفاته ساعين في هلاكهم وهو إبطال استعدادهم { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } [النمل: 49] وهو الحق تعالى: { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } [النمل: 49] أي: ما هلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمارة حين قصدت، فإن غلبت النفس على القلب واستيلائهما عليه إنما يكون بمعاونة هؤلاء التسعة { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [النمل: 49] في هذا القول وهم كاذبون.

{ وَمَكَرُواْ مَكْراً } [النمل: 50] في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية وتزيين الشهوات الدنيوية { وَمَكَرْنَا مَكْراً } [النمل: 50] بتواتر الواردات الربانية وتداوم سطوات تجلي صفات الجمال والجلال الإلهية { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [النمل: 50] أن صلاحهم في هلاكهم بتجلي صفاتنا فإنا من قتلناه بصفاتنا وجبت ديته على ذمة كرمنا فديته أن نحييه بنور صفاتنا.

{ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ } [النمل: 51] أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا { وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } وهم النفس وصفاتها { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ } وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس { خَاوِيَةً } خالية عن الخواص المهلكة والآفات الغالبة { بِمَا ظَلَمُوۤاْ } أي: ما وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشرع لما بالطبع لصلاح القالب وبقائه { إِنَّ فِي ذٰلِكَ } الإشارات والحقائق { لآيَةً } لعبرة { لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لسان القوم ويفهمون إشارات القرآن وحقائقه، { وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [النمل: 53] وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها وما مكروا به { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } يعني: إذا كانوا يتقون بالله عن غير الله وما سواه.