Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } * { ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } * { قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } * { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } * { قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } * { قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ }

وقال: { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ } [النمل: 36] من كمالات الدين والقربات والدرجات الأخروية { خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ } من الدنيا وزخارفها { بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } أي: أمثالكم من أهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية يفرحون بخسة نفوسكم وجهلكم عن الشهادات الأخروية الباقية.

ثم قال للرسول: { ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ } [النمل: 37] بهديتهم ليعلموا أن أهل الدين لا ينخدعون بحطام الدنيا وإنما نريد منكم الإسلام وإن لم يأتوني مسلمين { فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ } [النمل: 37] من الجن والإنس والتأييد الإلهي { لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ } [النمل: 37] من ديارهم ومن أديانهم أذلة وهم صاغرون للإسلام طوعاً وكرهاً.

وبقوله: { قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } [النمل: 38] يشير إلى أن سليمان عليه السلام كان واقفاً على أن في أمته من هو من أهل الكرامة، فأراد أن يظهر كرامتهم ليعلم أن في أمم الأنبياء عليهم السلام يكون أهل الكرامات فلا تنكروا من كرامات الأولياء كما أنكرت المعتزلة، فإن أدنى مصيدة الإنكار حرمان المنكر عن درجة الكرامات كحرمان أهل البدع والأهواء عنها، ولا يظن جاهل أن سليمان عليه السلام لم يكن قادراً على الإتيان بعرضها ولم يكن له هذه الكرامات، فإنه أمرهم بذلك لإظهار أهل الكرامات من أمته، ولأن كرامات الأولياء من جملة معجزات الأنبياء، فإنها دالة على صدق نبوته وحقيقة دينهم أيضاً.

وبقوله: { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } [النمل: 39] وقوله: { قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } [النمل: 40] يشير إلى أن الجن إن كان له من لطافة جسمه قوة ملكوتية يقدر على ذلك بمقدار زمان مجلس سليمان، فإن الإنس ممن عنده علم من الكتاب مع كثافة جسمه وثقله وضعف الإنسانية قوة ربانية قد حصلها من علم الكتاب بالعمل به هو أقدر بها على ما يقدر عليه الجن من الجن، ولما كان كرامة هذا الولي الإتيان بالعرش من معجزة سليمان { فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ } [النمل: 40] هذه النعمة التي يفضل بها علي برؤية العجز عن الشكر { أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } [النمل: 40] لأن الشكر يوجب ازدياد النعمة للشاكر { وَمَن كَفَرَ } [النمل: 40] بأن لم يعرف قدر النعمة ولم يؤد حقها { فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ } [النمل: 40] عن شكر الشاكرين وكفرانهم { كَرِيمٌ } بإظهار الكرم عليهم.

وبقوله: { قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } [النمل: 41] من الجاهلين يشير أنها هل تكون من أهل العقل فتهتدي بالفراسة إلى أنه عرشها وإن نكرته وهل تكون من أهل الإيمان فتهتدي بنور الإيمان إلى أن إتيانه بهذه السرعة من إعجاز النبوة أم تكون من جملة [الناس] العرية من العقل والإيمان.