Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } * { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }

ثم أخبر عن إعداد من لم يفسد الاستعداد بقوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } [النمل: 15] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } [النمل: 15] يشير إلى داود الروح وسليمان القلب وعلمهم إلهام الرباني وعلم الأسماء الذي علمه الله آدم عليه السلام والعلم اللدني لمن هو أهله { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [النمل: 15] أي: على الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية، وفيه إشارة إلى تفضيل خواص الإنسان على خواص الملك حيث قال:وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء: 70] أراد بالكثير الجميع كما أراد بقوله: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [النمل: 15] أي: على جميع من عباده المؤمنين لأنه لا ريب في أن فضيلة الأنبياء على جميع المؤمنين لا على بعضهم، وإذا كان الكثير بمعنى الجميع يتناول الملائكة وغيرهم.

وبقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ } [النمل: 16] يشير إلى أن سليمان القلب يرث من داود الروح، فإن كل وارد وإلهام وإشارة ووحي وفيض رباني يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح ومن كان لطافته يعبر عنه فيصل إلى سليمان القلب؛ لأن القلب بصفائه يقبله وبكثافته وصلابته يحفظه، فلهذا شرف القلب على الروح ولذلك كان سليمان أقضى من داود وقال صلى الله عليه وسلم: " يا واصبة استفت قلبك " ولم يقل استفت روحك.

{ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } [النمل: 16] يخاطب النفوس الناسية { عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } أي: الخواطر الملائكية والروحانية { وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ } من الاستعداد الفطري، وأسباب السلوك وما يحتاج إليه في الوصول إلى الحضرة { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } الذي قال تعالى:ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } [الحديد: 21] { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ } [النمل: 17] أي: صفة الشيطانية { وَٱلإِنْس } أي صفة النفسانية، { وَٱلطَّيْرِ } أي: صفة الملكية { فَهُمْ يُوزَعُونَ } عن طبيعتهم بالشريعة ليسخروا لسليمان القلب وينقادوا له { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } [النمل: 18] وهو هدى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها { قَالَتْ نَمْلَةٌ } [النمل: 18] وهي النفس اللوامة.

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ } [النمل: 18] أي: الصفات النفسانية { ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } [النمل: 18] محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } [النمل: 18] لا تهلكنكم { سُلَيْمَانُ } [النمل: 18] القلب { وَجُنُودُهُ } [النمل: 18] المسخرة له { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [النمل: 18] لأنهم الحق وأنتم الباطل، فإذا جاء الحق وزهق الباطل كما أن الشمس إذا طلعت تبطل الظلمة وتنفيها وهي لا تشعر بحال الظلمة وما أصابها، وقد أكرم الله سليمان القلب بكرامة على المنطق وفهم كل ناطق من عالم الروحانية والنفسانية.