Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } * { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } * { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } * { قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } * { وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً }

ثم عمَّ الخطاب: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } [مريم: 71] وإن منكم من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وهو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } [مريم: 72] عن الهوى بقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وفيه نكتة لطيفة، وإشارة شريفة وهي: إنه تعالى أحال الورود إلى الوارد، وأحال النجاة إلى نفسه تعالى؛ يعني: إن كل وارد يرد بقدم الطبيعة في هاوية الهوى إن شاء وإن أبى ولو التجى إلى طبيعة لا ينجو منها أبداً، ولكن ما نجا من نجا إلا بإنجاء الله تعالى إياه، ثم قال: { وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } [مريم: 72] أي: ومن خلد في جهنم طبيعةً بقي فيها مكباً على وجهه متوجهاً إلى أسفل السافلين.

ثم أخبر عن الطريقة للفريقين بقوله تعالى: { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ } [مريم: 73] إلى قوله: { مَّرَدّاً } [مريم: 76]، بقوله: { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ } [مريم: 73] يشير إلى أن أهل الإنكار وأهل العزة بالله إذا تتلى عليهم آياتنا بينات من الحقائق والأسرار { قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [مريم: 73] أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء. { لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } [مريم: 73] من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون مبتغون شهوات نفوسهم ضاحكون مستبشرون { أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } [مريم: 73] منا ومنكم { خَيْرٌ مَّقَاماً } [مريم: 73] منزلة ومرتبة في الدنيا، ووجاهة عند الناس، وتوسعاً في المعيشة { وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } [مريم: 73] مجلساً ومنصباً وحكماً، كما قال تعالى جواباً لهم: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ } [مريم: 74] أي: أهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها إذا أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } [مريم: 74] أي: هم أحسن استعداد واستحقاق للكمالات الدينية منكم كما قال صلى الله عليه وسلم: " خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا " { قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ } [مريم: 75] ضلالة الإنكار واتباع الهوى { فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } [مريم: 75] أي: فليهمله في غروره وحسبانه، ويدعه في غفلة عن أحوال أرباب القلوب وملوك الدين { حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ } [مريم: 75] وهو أن يميتهم الله على ما عاشوا فيه من الإنكار والغرور والغفلة { وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } [مريم: 75] وهي أن يميتهم عن صفات نفوسهم بصواعق جذبات العناية، ويقيم عليهم قيامة الشوق والمحبة، ويحييهم حياة طيبة بنور الإيمان { فَسَيَعْلَمُونَ } [مريم: 75] في كلتي الحالتين. { مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } من الفريقين { وَأَضْعَفُ جُنداً } [مريم: 75] حين تحقق لهم أن فريقاً منهم هم حزب الله في الآخرة وحزب الشيطان { وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ } [مريم: 76] والذين جاهدوا في طلب الهداية وسعوا، يزيد الله في هدايتهم بالإيمان { هُدًى } [مريم: 76] بالإيقان بل بالعيان لا بالبرهان { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } [مريم: 76] وهي الأعمال الصالحات التي هي من نتائج الواردات الإلهية التي ترد من عند الله إلى قلوب أهل العيوب؛ أعني: كل عمل يصدر من عند نفس العبد من نتائج طبعه وعقله ما يكون من الباقيات، وإن كان من الصالحات؛ أي: على وفق الشرع، وما يكون من عند الله؛ أي: من نتائج مواهب الحق تعالى فهو من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله تعالى:

السابقالتالي
2