Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } * { قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً } * { وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } * { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً } * { رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }

قال إبليس بعدها لُعن وطُرد وبعد إظهار العداوة وانتقاماً للحقد وإقداماً على الحسد { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } [الإسراء: 62] وفضلته بالخلافة والسجود { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } [الإسراء: 62] يعني: على صفة الإغواء والإضلال { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } [الإسراء: 62] لأستولين على الأولاد بالإغواء، كما قال:فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ص: 82] { إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62] يعني: من عبادك المخلصين.

{ قَالَ ٱذْهَبْ } [الإسراء: 63] يعني: على طريقك السوء في الإغواء والإضلال { فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } [الإسراء: 63] على الضلالة { فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً } [الإسراء: 63] مكملاً.

{ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } [الإسراء: 64] أي: بتمويهات الفلاسفة وشبهات أهل الأهواء والبدع، وطامات الإباحية، وما يناسبها من مقالات أهل الطبيعة مخالفاً للشريعة { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ } [الإسراء: 64] وهو كل راكب يركب الهوى، ويقال الدنيا { وَرَجِلِكَ } [الإسراء: 64] وهو كل ماشٍ حريص على الدنيا وشهواتها طالب للذاتها { وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ } بتحصيلها من غير وجه بإسراف النفس وإنفاقها أو ممسكاً لها بالبخل لإتلاف الأولاد { وَٱلأَوْلادِ } بتضييع زمانهم وإفساد استعدادهم في طلب الدنيا ورئاستها متغافلاً عن تهذيب نفوسهم وتزكيتهم أو تأديبها وتوفيها عن الصفات المذمومة وتحليتها بالصفات المحمودة، وتعلمهم الفرائض والسنن والعلوم الدينية، وتحرضهم على طلب الآخرة والدرجات العلى، والنجاة من النار والدركات السفلى، { وَعِدْهُمْ } نيل المقصد الأعلى في الآخرة والأولى على البطالة وإتيان الهوى، { وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ } بكرم الله وعفوه وغفرانه للذنوب والمعاصي من غير توبة وإنابة { إِلاَّ غُرُوراً } [الإسراء: 64] كما قال تعالى:وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } [لقمان: 33] أي الشيطان.

وفي قوله: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [الإسراء: 65] إشارة إلى أن عباد الله هم الأحرار عن رق الكونين وتعلقات الدارين فلا يستعبدهم الشيطان، فلا يقدر أن يتعلق بهم فيضلهم عن طريق الحق ويغويهم بما سواه { وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً } [الإسراء: 65] لهم في ترتيب أسباب سعادتهم وتفويت أسباب شقاوتهم والحراسة عن الشيطان والهداية إلى الرحمن.

ثم أخبر عن أصناف ألطافه وأوصاف أعطافه بقوله تعالى: { رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ } [الإسراء: 66] يشير إلى فلك الشريعة يجريه في بحر الحقيقة، المعنى إن لم يكن فلك الشريعة ما تيسر لأحد العبور على بحر الحقيقة.

{ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [الإسراء: 66] وهو جذبة العنايةذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } [الحديد: 21] يشير إلى أن جذبة العناية ليست بمكتسبة للخلق؛ بل هي من قبيل الفضل لقوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ } [الإسراء: 66] في الأزل { رَحِيماً } [الإسراء: 66] فضلاً منه وكرماً.