Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } * { وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } * { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } * { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } * { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } * { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } * { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } * { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ } * { يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } * { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

فلا يبعد أن يسجد لله { إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } [النحل: 51] إلى قوله { وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [النحل: 60].

{ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } [النحل: 51] يشير إلى إله الهوى، فإن أكثر الخلق اتخذوا مع الله إلهاً آخر وهو الهوى لقوله تعالى:أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الفرقان: 43] فلهذا قال: { إِلـٰهَيْنِ } وما قال: آلهة؛ لأنه ما عبد من عبد إلهاً آخر إلا بالهوى، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد إله أبغض على الله من الهوى ".

وقال: { إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } [النحل: 51] أي: الذي خلق الهوى وسائر الآلهة { فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } [النحل: 51] فإني أنا الذي يستحق أن يرغب إليه ويرهب منه لا الهوى والآلهة فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، { وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [النحل: 52] مِلكاً وملكاً { وَلَهُ ٱلدِّينُ } أي: الطاعة من كل شيء من السماوات والأرض وما فيهما كما ذكر بقوله:قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11] طوعاً وكرهاً دائماً من الأزل إلى الأبد { أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } في السراء والضراء.

{ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ } [النحل: 53] من النعم الظاهرة والباطنة { فَمِنَ ٱللَّهِ } [النحل: 53] هو الذي أنعم بها عليكم، { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } [النحل: 53] تتضرعون ببقاء بعض حسن الاستعداد الفطري.

{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم } [النحل: 54] من المحجوبين عن الحق المردودين إلى الخلق { بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [النحل: 54] بأن يروا كشف الضر عن الأسباب لا عن المسبب، { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } [النحل: 55] من النعم وكشف الضر أي: كفران النعمة برؤية الأسباب دون المسبب { فَتَمَتَّعُواْ } [النحل: 55] عن الدنيا ونعيمها ولذاتها الفانية { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 55] إذ ترون العذاب بالانقطاع عن الله إن في ذلك من كفران النعمة وحجب الغفلة الشاغلة من رؤية المنعم وكاشف الضر.

يشير بقوله: { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ } [النحل: 56] إلى أصحاب النفوس والأهواء أنهم يجعلون مما رزقهم الله من الطاعات نصيباً بالرياء لمن لا علم لهم بأحوالهم شرهاً لنفوسهم بحسبان رفعة منزلتهم عندهم وهم غافلون فارغون عن توهمهم وافترائهم في نفوسهم عليهم.

ثم قال: { تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } [النحل: 56] فاعلم أن العتاب بالسؤال عن العلامات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى الشقاوة، وهو الإخراج من نور الروحانية إلى ظلمات النفسانية لقوله تعالى:يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } [البقرة: 257] وفي قوله: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ } [النحل: 57] إلى { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } [النحل: 59] إشارة إلى كمال جهلهم أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم مع عجزهم عن تبديلهن بالأبناءبِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } [الفتح: 6] أنه مختار لنفسه البنات مع نقصانهن عن البنين، وهو قادر على تبديلهن بالبنين.

ثم قال تعالى: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } [النحل: 60] يعني لهؤلاء الجهال { مَثَلُ ٱلسَّوْءِ } [النحل: 60] فيما يختارون لأنفسهم من كراهة البنات ومحبة البنين، ويظنون بالله الاحتياج بالأولاد اختياراً للبنات على البنين { وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } [النحل: 60] بالعظمة والعزة والكبرياء والتنزيه عن الأولاد وما نسبوا إليه تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً { وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } [النحل: 60] الذي لعزته لا يحتاج إلى الولد { ٱلْحَكِيمُ } [النحل: 60] الذي أفعاله غير معترضة لخلقه.