Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } * { يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } * { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } * { خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }

{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [النحل: 1] إلى قوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } [النحل: 4] الإشارة فيه أن قوله: { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } كلام قديم كان الله في الأزل به متكلماً، والمخاطبون به في الله محبوسين وهم طبقات ثلاث: منهم الغافلون والعاقلون والعاشقون.

فكان الخطاب مع الغافلين: بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها وهم أصحاب النفوس.

والخطاب مع العاقلين: بوعد الثواب إذا كانوا مشتاقين إلى الطاعات والعبادات والأعمال الصالحات التي تبلغهم إلى الجنة ونعيمها الباقية وهم أرباب العقول.

والخطاب مع العاشقين: بوصل رب الأرباب إذا كانوا مشتاقين إلى مشاهدة جمال ذي الجلال. فتستعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل العقود وطلب المقصود فكلم الله تعالى في الأزل بقوله: { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي: سيأتي أمر الله للخروج من العدم لإصابة ما كتب لكل طبقة منكم في القسمة الأزلية { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } فإنه لا يفوتكم يدل عليه قوله تعالى:وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم: 34] أي: في العدم وهو يسمع خفيات أسراركم ويبصر خبايا سرائركم المعدومة { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: هو منزه في ذاته ومتعالٍ في صفاته أن يكون له شريك يعمل عمله وسببه يكون بدل.

{ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } [النحل: 2] أي: بالوحي بما يحيي القلوب من مواهب الربانية { مِنْ أَمْرِهِ } أي: من أمر الله وأمره على وجوه:

منها: ما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة.

ومنها: ما يرد على النفوس لتزكيتها بالطريقة.

ومنها: ما يرد على القلوب لتصفيتها بالإشارات.

ومنها: ما يرد على الأسرار بالمراقبة للمشاهدات.

ومنها: ما يرد على الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات.

ومنها: ما يرد على المخفيات بتجلي الصفات لإقبال الذوات على من يشاء من عباده من الأنبياء والأولياء { أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ } [النحل: 2] أي: اعلموا أن أوصاف وجودكم يبذلها من أنانيتي أنه لا إله إلا أنا { فَٱتَّقُونِ } أي: فاتقوا عن أنانيتكم بأنانيتي.

{ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } [النحل: 3] سماوات الأرواح { وَٱلأَرْضَ } أرض الأشباح { بِٱلْحَقِّ } وجعلها مظهرة أفاعيله فهو الفاعل فيما يظهر على الأرواح والأشباح، فالأرواح تحيل الأفاعيل إلى الأشباح إذ هي مظهرها، والأشباح تحيلها إلى الأرواح إذ هي مصدرها، وهي أفاعيله تعالى إذ هو منشأها وخالقها { تَعَالَىٰ } ذاته وصفاته { عَمَّا يُشْرِكُونَ } الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره، بل عما يشركون في رؤية غيره.

ثم قال: { خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } [النحل: 4] أي: جعل أصل الإنسان من نطفة ميتة لا فعل لها ولا علم لوجودها، فإذا أعطيت المقدرة والعلم صارت خصيماً لخالقها مبيناً وجودها مع وجود الحق وادعت الشركة معه في الوجود والأفاعيل.