Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } * { ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } * { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } * { وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } * { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }

ثم أخبر عن اختلاف أهل الافتراق بقوله تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } [النحل: 124] إشارة إلى أن الاختلاف فيما أرشد الله به الناس إلى الصراط المستقيم من الأوامر والنواهي لاستحلال بعضها وتحريم بعضها ابتداعاً منهم على وفق الطبع والهوى، وإن كان التشديد فيه على أنفسهم يكون وبالاً عليهم وضلالاً عن الصراط المستقيم، فالواجب على العباد في العبادات والطاعات والمجاهدات وطلب الحق الاتباع وترك الابتداع كما قال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".

وفي قوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } إشارة إلى أن الله تعالى يحكم بعدله بين أهل البدع وأهل السنة فيقول: " هؤلاء في النار بعدلي ولا أبالي وهؤلاء في الجنة بفضلي ولا أبالي ".

ثم أخبر عن أهل الفضل وأهل العدل بقوله تعالى: { ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } [النحل: 125] إشارة إلى أن دعاء العوام إلى سبيل ربك وهو الجنة بالحكمة وهو بالخوف والرجاء؛ لأنهم يدعون ربهم خوفاً من النار وطمعاً إلى الجنة { وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } هي الرفق والمداراة ولين الكلام والتعريض دون التصريح وفي الخلاء دون الملأ، فإن النصح على الملأ تفريع، ودعاء الخواص إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة أن يحبب الله إليهم وتؤثر دواعيهم في الطلب، ويرشدهم ويهديهم إلى صراط الله ويسلكهم فيه، فيكون إليهم دليلاً وسراجاً منيراً، إلى أن يصلوا في متابعتك وحسن تربيتك وتزكيتك إياهم أعلى درجات المقربين وأهنأ مشارب الواصلين.

{ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125] لكل طائفة منهما فجادل أهل النفاق بالسيف وأغلظ عليهم القول، وجادل أهل الوفاق باللطف والرحمةوَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [الحجر: 88] واعف عنهم واستغفر لهم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله حين خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أخطأه ذلك النور، فقد ضل وهو أعلم بالمهتدين الذين أصابهم ذلك النور فقد اهتدوا بذلك النور إلى صاحب النور وهو وليهم الذي أخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور وجوده بجوده.

وفي قوله: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126] إشارة إلى من دعا إلى الله فأجاب وجاهد النفس ونهاها عن الهوى، وسلك طريق الحق بالاتباع دون الابتداع، ثم هبت صرصر البلاء من غريب الابتلاء، واستولت النفس وحجبت في مراتع الدنيا وشهواتها، على وقف طبعها وهواها، حتى غلبت الروح وجنوده، وعاقبتم بأنواع عقوبات مختلفة من التباعد والتقاعد والتقاطع إلى أن نسمت رياح العواطف عن مهب العناية، وطلعت شمس الإقبال عن مشرق الأفضال، وانقلبت الأحوال فأقبل نهار الروح مشرق بأنوار الجمال وأدبر ليل النفس مظلم بقهر الجلال وأسرت النفس وجنودها وعزم الروح وجنوده على معاقبتهم بالفطام عن مألوفاتهم والإقدام على مخالفاتهم وتأديبهم بسياط الجوع والعطش، فنودوا من حظائر القدس ومجالس الأنس { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل: 126] أي: لا تقصروا المعاقبة وبالغوا فيها كما بالغوا في معاقبتكم { وَلَئِن صَبَرْتُمْ } [النحل: 126] على معاقبتهم { لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } [النحل: 126] على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

السابقالتالي
2