Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي/ الإمام أحمد بن عمر (ت618 هـ) مصنف و مدقق


{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } * { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } * { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } * { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } * { وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } [إبراهيم: 28] هذا إشارة إلى نعمة ألوهيته وخالقيته ورازقيته عليهم بدلوا { كُفْراً } بالكفر والإنكار بالجحود { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } أي: أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم { دَارَ ٱلْبَوَارِ } أي: الهلاك فأنزلوا أبدانهم { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } [إبراهيم: 29] وهي غاية البعد عن الحضرة والحرمان من الجنان وأنزلوا أنفسهم الدركات وقلوبهم العمى والصم والجهل وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة بتبديل نعم الأخلاق الملكية الحميدة بالأخلاق الشيطانية السبعية الذميمة.

{ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً } [إبراهيم: 30] من الهوى والدنيا وشهواتها { لِّيُضِلُّواْ } بها ويضلوا الناس بالامتناع { عَن سَبِيلِهِ } عن طلب الحق تعالى والسير إليه على أقدام الشريعة والطريقة للوصول إلى الحقيقة { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بشهوات الدنيا ونعيماً { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } نار جهنم للأبدان، ونار المحق والحرمان للنفوس، ونار الحياة للقلوب ونار القطيعة للأرواح.

{ قُل لِّعِبَادِيَ } [إبراهيم: 31] لا لعباد الهوى { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } بنور العناية وعرفوا قدر نعمة ألوهيتي ولم يبدلوها كفراً { يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } ليلازموا العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا في المناجاة والمكالمة { وَيُنْفِقُواْ } على الطالبين المريدين { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً } من أسرار الألوهية { وَعَلانِيَةً } من أحكام العبودية في طريق الربوبية { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ } وهو مفارقة الأرواح على الأبدان { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } أي: لا يقدر على الإنفاق بطريق طلب المعارضة { وَلاَ خِلاَلٌ } أي: ولا بطريق المخاللة من غير طلب العوض؛ لأن آلة الإنفاق خرجت من يده، وبطل استعداد دعوة الخلق إلى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب.

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } [إبراهيم: 32] سماوات القلوب { وَٱلأَرْضَ } أرض النفوس { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } سماء القلوب { مَآءً } الحكمة { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } ثمرات الطاعة { رِزْقاً لَّكُمْ } أي: رزقاً لأرواحكم فإن الطاعات غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأبدان { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } فلك الشريعة { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } بحر الطريقة { بِأَمْرِهِ } أي: بأمر الحق لا بأمر الهوى والطبع؛ لأن استعمال فلك الشريعة إذا كان بأمر الهوى والطبع سريعاً يهلك ويغرق، ولا يبلغ ساحل الحقيقة إلا بأمر أولي الأمر وبملاحيه وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى:أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أطاع أمري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ".

وكم من سفن لأرباب الطلب لما شرعت في هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الأهواء وتلاطم أمواج العزة وانقطعت دون ساحلها، { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } أنهار العلوم اللدنية { وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ } [إبراهيم: 33] شمس الكشوف { وَٱلْقَمَرَ } قمر المشاهدات { دَآئِبَينَ } بالكشف والمشاهدة { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ } ليل البشرية { وَٱلنَّهَارَ } نهار الروحانية وتسخير هذه الأشياء عبارة عن جعلها سبباً لاستكمال استعداد الإنسان في قبول الفيض الإلهي المختص به من بين سائر المخلوقات.