Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير الجيلاني/ الجيلاني (ت713هـ) لم يتم تصنيفه بعد و لم يتم تدقيقه بعد


{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } * { إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } * { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } المهمكون في بحر الغفلة والنيسان، التائهون في تيه الغرور والخسران { إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } الذي وعده في النشأة الأخرى لعموم عباده شقيهم وسعيدهم، مطيعهم وكافرهم { حَقٌّ } ثابت، لازم إنجازه على الله بلا خلف، فلكم أن تتزودوا لأخراكم وتهيئوا أمر عقباكم؛ كي تصلوا إلى ما أعد لكم مولاكم { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ } وتعوقنكم { ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } ولذاتها الفانية وشهواتها الزائلة عن الحياة السرمدية، والبقاء الأبدي واللذات الأزلية { وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } [فاطر: 5] يعني لا يلبّس عليكم الشيطان المكار الغرار الغدار بأن يوقع في قلوبكم أن رحمة الله واسعة وفضله كثير ولطفه عام، وأن الله سبحانه مستغني عن طاعتكم وعبادتكم، وأن فعل الإيلام لا يتصور من الحكيم العلام، إلى غير ذلك من الحيل العائقة لكم عن التقوى والتزود للنشأة الأخرى.

{ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ } يا بني آدم { عَدُوٌّ } قديم، مستمر عداوته من زمان أبيكم { فَٱتَّخِذُوهُ } أي: الشيطان، أنتم أيضاً { عَدُوّاً } لأنفسكم عداوة مستمرة بحيث لا تصغوا إليه ولا تقبلوا منه قوله، ولا تلتفتوا إلى تغريره وتلبيسه أصلاً، فإنه يواسيكم ويغريكم إلى مشتهيات نفوسكم، ويوقعكم في فتنة عظيمة، كما أوقع أباكم آدم عليه السلام فعليكم أن تجتنبوا عن غوائله، حتى لا تكونوا من حزبه { إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ } على الغواية والضلال { لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } [فاطر: 6] المعد لأصحاب الشقاوة الأزلية مثل الشيطان وأحزابه وأتباعه.

نجنا بفضلك من سخطك، وأعدنا بلطفك من تغرير عدونا وعدوك.

ثم قال سبحانه كلاماً جملياً، شاملاً لعموم العباد؛ تذكيراً وعظة، مشتملاً على الوعد والوعيد بكلا الفريقين: { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: ستروا الحق وأعرضوا عنه في النشأة الأولى عناداً ومكابرة { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } إي: إحراق بالنار في النشأة الأخرى؛ جزاء لما اقترفوا في النشأة الأولى؛ إذ لا عذاب أشد من الإحراق { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } بتوحيد الله، وصدقوا رسله المؤيدين من عنده بالصحف والكتب المنزلة إليهم، المبينة لسلوك طريق التوحيد والعرفان { وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } المأمورة لهم في تلك الكتب والصحف { لَهُم } في النشأة الأخرى { مَّغْفِرَةٌ } ستر وعفو لما صدر عنهم من الذنوب قبل الإيمان والتصديق { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [فاطر: 7] وجزاء عظيم على ما عملوا بعده بمقتضى الأمر الإلهي المبين في الكتب المنزلة من عنده.

{ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } يعني: أيزعم أن من زين وحسن له الشيطان عمله السويِّء القبيح في الوقاع فخيله حسناً بحسب زعمه الفاسد واعتقاده الباطل، كمن كان عمله حسناً في الواقع حقاً في نفس الأمر واعتقده أيضاً كذلك، حتى يكونا متساويين في استحقاق الأمر الجزيل والجزاء الجميل؟! كلا وحاشا { فَإِنَّ ٱللَّهَ } المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المقتدر على جميع ما يشاء { يُضِلُّ } عن صراط توحيده بمقتضى قهره وجلاله { مَن يَشَآءُ } من عصاة عباده { وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } منهم الإضلال والضلال، والإرشاد والهداية إنما هي مستمدة أولاً وبالذات إلى مشيئة الله وإرادته، لا مدخل لأحد من خلقه فيها أصلاً { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } أي: لا تتعب ولا تهلك نفسك { عَلَيْهِمْ } أي: على غواية من أردت أو أحببت هدايته { حَسَرَاتٍ } أي: حال كونك متحسراً ومتأسفاً تحسراً فوق تحسر، وتحزناً فوق تحزن على ضلالهم وعدم قبولهم الهداية، والمعنى: أفمن زين له سوء عمله، فحسنه على نفسه واعتقده حقاً جهلاً مع أنه باطل في نفسه، وبذلك ضل عن طريق الحق وانحرف عن سوء السبيل، وبعُد بمراحل عن الهداية، وأنت يا أكمل الرسل أذهبت وأهلكت نفسك حسرة عليهم وضجرة لما لم يهتدوا ولم يؤمنوا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبالجملة: { إِنَّ ٱللَّهَ } المراقب على جميع حالاتهم { عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [فاطر: 8] يجازيهم على مقتضى علمه بسوء صنيعهم، ولا تتعب نفسك عليهم بما يفوتون على نفوسهم من الرشد والهداية.