Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير الجيلاني/ الجيلاني (ت713هـ) لم يتم تصنيفه بعد و لم يتم تدقيقه بعد


{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } * { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } * { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }

ثمَّ قال سبحانه على سبيل الامتنان إظهاراً لكمال قدرته على إبداء الشئون و التطورات الواردة على عباده حسب تعاقب الأزمنة والأوقات في النشأة الأولى، فكيف ينكرون إعادتها في النشأة الأخرى مع أن الإعادة أهون من الإبداء، وإن كان الكل في جنب قدرته على السواء: { ٱللَّهُ } القادر المقتدر، الحكيم المتقن في أفعاله وأحكامه، العليم بمقتضاها هو { ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ } وقدر وجودكم بعدما أبدعكم من كتم العدم في عالم الطبيعة والهيولي { مِّن ضَعْفٍ } هو ماء النطفة الضعيفة المهينة { ثُمَّ جَعَلَ } ما صير وخلق { مِن بَعْدِ ضَعْفٍ } كائن في نشأة النطفة { قُوَّةً } جسمانية متزايدة، مستكملة فيها إلى أن بلغت كمال الشباب { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } كائنة في عالم الشباب { ضَعْفاً } وانحطاماً { وَشَيْبَةً } مضعفة لجميع القوى والآلات، منتهية إلى الهم الذي عبر عنه سبحانه بأرذل العمر؛ كي لا يعلم صحابه من بعد علم شيئاً، وبالجملة: { يَخْلُقُ } ويظهر سبحانه جميع { مَا يَشَآءُ } ويريد إرادةً واختياراً { وَ } كيف لا { هُوَ ٱلْعَلِيمُ } بجميع ما أحاط عليه إرادته ومشيئته { ٱلْقَدِيرُ } [الروم: 54] لإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا فتور وقصور.

{ وَ } كيف ينكر من ينكر الحشر والنشر، وإعادة الموتى أحياءً بعدما شهد هذه التطورات المتخالفة المتعاقبة؟! اذكر لهم يا أكمل الرسل { يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } الموعودة المعدة لحشر الأموات من الأجداث { يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } أي: يقسم ويحلف كلٌّ منهم عند صاحبه بمدة لبثهم في الدنيا مترفهين متنعمين، واتفقوا بعدما اختلفوا وترددوا في مكثهم فيها أنهم { مَا لَبِثُواْ } فيها { غَيْرَ سَاعَةٍ } واحدة بالنسبة إلى طول يوم القيامة، ومن شدة عذابها وأهوالها، وكثرة الهموم والأحزان فيها صار لبثهم في الدنيا مدة أعمارهم فيها ساعة واحدة عندهم، بل بضعهم تخيلوا أقصر منها { كَذَلِكَ } أي: مثل صرفهم عن طول مدة مكثهم في الدنيا يوم القيامة { كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } [الروم: 55] ويصرفون في النشأة الأولى عن طريق التوحيد، وسبيل الهداية والرشاد من كمال غفلتهم وقسوتهم.

{ وَ } بعدما سمع منهم المؤمنون الموحدونن استقصارهم مدة لبثهم فيها، وانصرافهم عن الحق { قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } اللدني من قِبَل الحق { وَٱلإِيمَانَ } بالمغيبات التي أُمروا بتصديقها على ألسنة الرسل والكتب، سيما يوم البعث والنشور رداً عليهم، وتخطئةً لهم: { لَقَدْ لَبِثْتُمْ } في الدنيا بمقتضى ما ثبت { فِي كِتَابِ ٱللَّهِ } ولوح قضائه، وحضرة علمه { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } وحشر الموتى، وقيام الساعة { فَهَـٰذَا } اليوم الذي أنتم فيه معذبون الآن { يَوْمُ ٱلْبَعْثِ } الموعود لكم في الدنيا على ألسنة الرسل { وَلَـٰكِنَّكُمْ } من خبث طينتكم وجهلكم { كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [الروم: 56] ولا تؤمنون به، ولا تصدقون قيامه، بل تنكرونها وتكذبون من أخبر بها من الرسل العظام، مع أنهم مؤيَّدون من قِبَل الحق بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، والمعجزات الباهرة الظاهرة.

وبعدما فوَّتوا الفرص في دار الاختبار، وضيعوا عين العبرة والاعتبار فيها { فَيَوْمَئِذٍ اْ } أي: حين قيام الساعة، وانقضاء أيام التفقد والتدارك { لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُو } أنفسهم بالخروج عن حدود الله والعرض على عذابه { مَعْذِرَتُهُمْ } أي: عذر منهم ليعتذروا عن قصورهم، ويتوبوا عن فتورهم متداركين لما فوَّتوا { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } [الروم: 57] أي: لا يُطلب منهم العتبى حتى يزول عتابهم بالتوبة والإنابة والندم والرجوع؛ إذ قد انقضت نشأة الاتبلاء الاختبار، حينئذٍ لا يُقبل منهم التوبة والعبادة أصلاً.