الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير الجيلاني/ الجيلاني (ت713هـ) لم يتم تصنيفه بعد و لم يتم تدقيقه بعد


{ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } * { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }

واذكر أيها المؤمنون قبح صنيعكم، وستحيوا من الله، وتندموا عما صدر منكم وقت { إِذْ تُصْعِدُونَ } تذهبون إلى الأباعد؛ خوفاً من العدو، فارين من الزحف، متخالفين لرسول الله { وَ } عند ذهابكم وفراركم { لاَ تَلْوُونَ } تلتفتون على أعقابكم، ولا تنتظرون { عَلَىٰ أحَدٍ } من إخوانكم { وَٱلرَّسُولُ } صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة { يَدْعُوكُمْ } ويناديكم صارخاً: إليَّ عباد الله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم { فِيۤ أُخْرَٰكُمْ } ساقتكم وعصيانكم، ولم يلتفت أحد منكم إلى عقبه لإجابة دعائه صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك لم تنجوا سالمين { فَأَثَـٰبَكُمْ } أورثكم الله، المصلح لأحوالكم؛ تأديباً لكم، متصلاً { غَمّاًً بِغَمٍّ } آخر، حيث أحاطت بكم الغموم من القتل والجرح والإرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بكم ما فعل { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من النهب والغنيمة { وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ } من الفرار والهزيمة، ولتتمكنوا أو تتمرنوا في مقام الرضا والتسليم، ولا تخالفوا أمر الله ورسوله { وَٱللَّهُ } المدبر لأمروكم { خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [آل عمران: 153] بمقتضى تسويلات نفوسكم الأمَّارة بالسوء، فيجازيكم بها؛ لكي تتنبهوا وتسلموا أموركم إلى الله وتتحققوا بالتوحيد الذاتي.

{ ثُمَّ } لما تبتم ورجعتم إلى الله، وندمتم عمَّا فعلتم { أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } امتناناً لكم وتفضلاً { مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ } المفرط { أَمَنَةً } طمأنينة ووقاراً، حيث تورث { نُّعَاساً } رقدة ونوماً { يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ } وهم المتحقوون بمقام العبودية، الراضون بما جرى عليهم من القضاء، لا يشوشهم السراء والضراء { وَطَآئِفَةٌ } من منافقيكم { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أي: أوقعتهم نفوسهم وأمانيتهم في الهموم والغموم المبعدة عن مقام التفويض والتسليم إلى حيث { يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ } ظناً باطلاً { غَيْرَ } ظن { ٱلْحَقِّ } بل { ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ } حيث { يَقُولُونَ } لرسول الله استكشافاً ظاهراً، أو استنكافاً خفيةً: { هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ } أي: أمر الله الذي وعدتنا والنصر والظفر { مِن شَيْءٍ } أم الأمر للعدو دائماً، واليد له مستمراً؟

{ قُلْ } لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: { إِنَّ ٱلأَمْرَ } أي: أمر جميع ما كان وما يكون { كُلَّهُ للَّهِ } اولاً، وبالذات بلا رؤية الوسائط والوسائل في البين، وهم من غاية عماهم { يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم } من البُغض والنفاق { مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } بل يبدون لإخوانهم، إذا خلا بعضهم بعضاً حتى { يَقُولُونَ } متهكمين، مستهزئين: { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا } مهانين، مظلومين { قُل } لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: لا مرد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه، بل يجري في ملكه ما ثبت في علمه.

واعلموا أنكم { لَّوْ كُنتُمْ } متمكنين { فِي بُيُوتِكُمْ } غير خارجين منها للقتال { لَبَرَزَ } لظهر وخرج البتة { ٱلَّذِينَ كُتِبَ } قدر وفرض في الأزل { عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } في هذه المعركة، مسرعين { إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } ومقاتلهم في الوقت الذي قدر بلا تأخير ولا تقديم { وَ } إنما فعل بكم ما فعل { لِيَبْتَلِيَ } ويختببر ويمتحن { ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ } أهو من الرضا والإخلاص؟ أم من الشقاق والنفاق؟ { وَلِيُمَحِّصَ } يطهر ويصفي { مَا فِي قُلُوبِكُمْ } من الإيمان والتوحيد عن الكفر والنفاق { وَٱللَّهُ } المطلع لسرائركم وضمائركم { عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } [آل عمران: 154] أي: الأمور المكنونة فيها.