Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير الجيلاني/ الجيلاني (ت713هـ) لم يتم تصنيفه بعد و لم يتم تدقيقه بعد


{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } * { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } * { وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

{ وَ } بعدما علم الله منكم ما فعلتم ونقضتم من الأيمان { لاَ تَكُونُواْ } في نقضها وعدم وثوقها { كَٱلَّتِي } أي: كالمرأة التي { نَقَضَتْ } ونفقيت { غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } أي: بعدما غزلتها وفتلتها قويةً محكمةً نقضتها { أَنكَاثاً } بلا غرضٍ يترتب على نقضها سوى الجنون والجزن، فأنتم كذلك في نقضكم أيمانكم الوثيقة بذكر الله وعلمه بلا غرضٍ منكم يتعلق بنقضها سوى أنكم { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ } أي: نقضها { دَخَلاً } أي: خديعةً ومكيدةً واقعةً { بَيْنَكُمْ } محفوظةً إلى { أَن تَكُونَ } وتقع { أُمَّةٌ } قوية { هِيَ أَرْبَىٰ } أيك أقوى وأزيد عَدَداً وعُدَداً { مِنْ أُمَّةٍ } أنتم تحلفون معهم، فتنقضون حلف الأمة الضعيفة، وتتبعون القوية بعد نقض العهود واليمين، وما هذا إلاَّ مكر وخديعة مع الله، ومع عباده { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ } ويختبركم { ٱللَّهُ بِهِ } أي: بازدياد القوية؛ لكي يظهر أتمسكون إيمانكم أم تنقضون { وَلَيُبَيِّنَنَّ } ويوضح { لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [النحل: 92] فيثيبكم بالوفاء، ويفضحكم ويعاقبكم بالنقض.

{ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ } القادر على جميع المقدورات هدايتكم جميعاً { لَجَعَلَكُمْ } وخلقكم { أُمَّةً وَاحِدَةً } منفقةً على الهداية والإسلام { وَلـٰكِن } حكمته تقتضي خلاف ذلك، ولذلك { يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } على مقتضى قهره وجلاله { وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } على مقتضى لطفه وجماله { وَلَتُسْأَلُنَّ } وتحاسبنَّ كل منكم في يوم الجزاء { عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [النحل: 93] إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وبعدما أشار سبحانه إلى قبح المكر والخديعة باليمين والحلف ترويجاً لما في نفوسهم من الظلم والعدوان صرحَ بالنهي تأكيداً ومبالغةً؛ ليحترز المؤمنون على أمثاله، فقال: { وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ } أيها المؤمنون { أَيْمَانَكُمْ } ومواثقيكم { دَخَلاً } أي: مفسدةً مبطنةً مخفيفةً { بَيْنَكُمْ } ترويجاً لكذبكم { فَتَزِلَّ قَدَمٌ } أي: قدم كل منكم عن شعائر الإيمان { بَعْدَ ثُبُوتِهَا } واستقرارها فيها { وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ } العذاب في النشأة الأولى { بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: بسبب ميلكم وانحرافكم عن طريق الحق الذي هو الوفاء بالعهود والمواثيق { وَلَكُمْ } بارتكاب المنهي { عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل: 94] في النشأة الأخرى بأضعاف ما في الأولى.

{ وَ } أيضاً { لاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا وتأخذوا أيها المؤمنون { بِعَهْدِ ٱللَّهِ } أي: بنقض عهده، والارتداد عن دينه { ثَمَناً قَلِيلاً } أي: حطاماً دنيوياً { إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ } لوفائكم بعهده، وثباتكم على دينه أجر عظيم أخروي { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لبقائه وعدم زواله ودوام لذّته { إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [النحل: 95] خيريته لاخترتم ألبتة.

وكيف لا يكون ما عند الله خيراً؛ إذ { مَا عِندَكُمْ } من حطام الدنيا ومزخرفاتها { يَنفَدُ } أي: يزول ويضمحل { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من اللذات الأخروية، والمعارف اليقينية { بَاقٍ } بقاءً أبدياً سمردياً إلى ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثمَّ قال سبحانه: { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ } على ما فوتوا من الأعراض الدنيوية؛ بسبب ثباتهم وتقررهم على الأمور الأخروية، ولم ينقضوا العهود والمواثيق المتعلقة بالدين، ولم يتسبدلوا الأعلى الباقي بالأدنى الفاني، ولحقهم بذلك ما لحقهم من المحن والشدائد القاحلة، وضاع عنهم ما ضاع من لذاتها وشهواتها، فصبروا على جميع ما أعطيناهم { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 96] أي: لنجزينهم ونثيبنهم بجزاءٍ أحسن من مقتضى عملهم؛ لوفائهم على عهودنا ومواثيقنا، وجريهم على مقتضى أمرنا ونهينا.

السابقالتالي
2