Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير الجيلاني/ الجيلاني (ت713هـ) لم يتم تصنيفه بعد و لم يتم تدقيقه بعد


{ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ } * { فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } * { وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }

وحين رأى يوسف اتفاقهن واجتماعهن على منكر، ناجى ربه من شرهن وتعوذ نحوه من فتنتهن حيث: { قَالَ رَبِّ } يا من رباني بأنواع اللطف و الكرم والعصمة والعفاف { ٱلسِّجْنُ } الذي أوعدتني به هذه المرأة { أَحَبُّ إِلَيَّ } وآثر عندي { مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ } هؤلاء البغيات { وَإِلاَّ تَصْرِفْ } أي: وإن لم تصرف بفضلك وعصمتك { عَنِّي كَيْدَهُنَّ } ولم تحفظني من مكرهن، بإلقاء البرهان الفعلي والكشفي في سري { أَصْبُ } أي: أمِل وأتحنن نحوهن على مقتضى الوقى البهيمية { إِلَيْهِنَّ وَأَكُن } حينئذ { مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ } [يوسف: 33] المتابعين لشيطان الشهوة، الخارجين عن مقتضى العقل المفاض من المبدأ الفياض.

وبعدما أخلص في مناجاته وأبر في رجوعه وعرض حاجاته { فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ } ما ناجاه { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } وحُفظ عن مكرهن { إِنَّهُ } بذاته وأوصافه وأسمائه { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لمناجاة عباده { ٱلْعَلِيمُ } [يوسف: 34] بحاجاتهم منها.

{ ثُمَّ بَدَا } أي: ظهر ولاح { لَهُمْ } للعزيز وأصحابه { مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ } أي: بعد رؤيتهم علامات الصدق وأمارات العصمة والعفاف، سيما شهادة الطف الذي شهد بطهارته وصدقه، مع أنه لم يعهد من أمثال هذا، فتشاوروا في أمره وتأملوا في شأنه، فاستقر رأيهم { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ } [يوسف: 35] لئلا يلحق العار عليهم ولا ينتشر بين الأنام صدقه وعصمته وقبح صنيعها وفاحشة فعلها، بل يحسبون أنه مجرم وراعيل متهمة؛ لذلك حملوا الجرم عليه، ورموه افتراءً، فأدخلوه السجن انتقاماً وجزاء؟

{ وَدَخَلَ مَعَهُ } أي: يوسف { ٱلسِّجْنَ } في تلك المدة { فَتَيَانِ } من أعوان الملك شرابيه وخباره بتهمة اتُهما بها، فلما رأيا منه الرشد والنجابة وصفاء الصورة والمعنى { قَالَ أَحَدُهُمَآ } وهو الشرابي مستعيراً عنه حاكياً عما مضى " { إِنِّيۤ أَرَانِيۤ } في المنام { أَعْصِرُ } ماء العنب ليصير { خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ } وهو الخباز: { إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً } على طبق { تَأْكُلُ } وتنهش { ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } أي: أخبرنا بما يؤول إليه ويعبر به رؤيانا { إِنَّا نَرَاكَ } في بادئ الرأي { مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 36] المصلحين لمفاسد الأنام وتحمل ما يشكل عليهم، ومن جملتها تعبير الرؤيا.

ثم لما تفرس منهم الإخلاص وحسن الظن بالنسبة إليه، بادر قبل الاشتغال بالتعبير إلى تمهيد مقدمة دالة على التوحيد والإيمان والمعرفة والإيقان، منبهة على استقلال الحق الحقيق بالحقية في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وجميع آثاره الحادثة في الكائنات والفاسدات، حيث { قَالَ } أولاً { لاَ يَأْتِيكُمَا } في المستقبل { طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } لسد الجوعة وتقويم المزاج { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا } وأخبرتكما { بِتَأْوِيلِهِ } وتبيين ماهيته وكيفية تأثيره وتوليده من الأخلاط وتقويته للمزاج { قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا } بمدةٍ { ذٰلِكُمَا } أي: تعبير رؤياكما وتأويل طعامكما { مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ } أي: من جملة الأمور التي علمني ربي من لدنه بأن أطلعني على رقائق المناسبات ودقائق الارتباطات، والازدواجات الواقعة بين أجراء العالم وجزئياتها على التفصيل المشروح، المثبت في الأعيان الثابتة وعالم الأسماء والصفات المنبسطة على ظواهر الأكوان { إِنِّي } بعدما انكشفت الغطاء عن بصري وارتفع الحجب عن بصيرتي { تَرَكْتُ } بتوفيق الله وإلهامه { مِلَّةَ قَوْمٍ } ذوي حجب { لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } وتوحيده واستقلاله في الوجود { وَ } مع ذلك { هُمْ بِٱلآخِرَةِ } أي: في النشأة المعدة لجزاء ما جرى عليهم في هذه النشأة { هُمْ كَافِرُونَ } [يوسف: 37] منكرون.