Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } * { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }

يقول الحق جل جلاله: { ومنهم من عاهد الله } قال: { لئن آتانا من فضله لنصدِّقنّ ولنكونَنَّ من الصالحين } ، وهو ثعلبة بن حاطب، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادعُ الله يرزقني مالاً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا ثعلبة، قليلٌ تُؤدي شُكرَهُ خيرٌ من كثير لا تُطيقه " فراجعه، وقال: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فَنَمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً، وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ، فقال: " يا ويح ثعلبة ". فبعث له مُصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومروا بثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه الكتابَ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه صدقة، ما هذه إلا أخت الجزية، فارجعا حتى أرى رأيي، فنزلت فيه الآية، فجاء ثلعلبة بالصدقة، فقال: إن الله منعني أن أقبل منك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: " هذا منك فقد أمرتُك فلم تطعني " فقُبض الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر، فلم يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته، فلم يقبلها منه، وهلك في زمن عثمان، بعد أن لم يقبلها منه. وهذا معنى قوله: { فلما آتاهم من فضله بخلوا به } أي: منعوا حق الله منعه، { وتولوا } عن طاعة الله { وهم مُعرضون } أي: وهم قوم عادتهم الإعراض عنها، { فأعقَبهم } أي: فأردفهم { نفاقاً في قلوبهم } عقوبة على العصيان بما هو أشد منه، أو فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً متمكناً في قلوبهم وسوء اعتقاد. قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضمير للبخل، والمعنى: فأورثهم البخلُ نفاقاً متمكناً في قلوبهم { إلى يوم يَلْقونه } ، أي: يلقون الله بالموت، والمراد: يلقون جزاءه أو عقابه. وذلك { بما أخَلَفوا اللَّه ما وعدوه } أي: بسبب إخلافهم ما وعده من التصدق والصلاح، { وبما كانوا يكذبُون } أي: وبكونهم كاذبين فيه فإن خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين. { ألم يعلموا } أي: المنافقون، أو من عاهد الله، { أن الله يعلمُ سِرهُمْ } أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق، { ونجواهم } ما يتناجون فيه، فيما بينهم، من المطاعن وتسمية الزكاة جزية، { وأنَّ الله علامُ الغيوب } فلا يخفى عليه شيء من ذلك، والله تعالى أعلم. الإشارة: في الحِكَم العطائية: " من تمام النعمة عليك: أن يرزقك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك ". وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خير الرِّزقِ ما يَكفي، وخَيرُ الذِّكرِ الخَفيُّ ".

السابقالتالي
2