Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } * { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } * { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ }

يقول الحقّ جلّ جلاله: { أيُشرِكون } مع الله أصنامًا جامدة، لا يخلقون شيئًا { وهم يُخلَقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرًا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسَهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإِن تدعوهم إلى الهُدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواءٌ عليكم أدَعوتُموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عبادٌ أمثالُكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تُعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهُم أرجلٌ يمشون بها أم لهم أيدٍ يبشطون بها أم لهم أعينٌ يبصرون بها أم لهم آذانٌ يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلهًا، فإنَّ من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تُسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءَكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كِيدُون فلا تُنظِرُون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث: " لو اجتَمَعَ الإنسُ والجنُّ على أن ينفَعُوكَ بشَيءٍ لم يَنفَعُوكَ إلاَّ بشَيءٍ قد كَتَبَه اللهَ لك، ولو اجتَمَعُوا على أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليكَ " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها ـ أي: في الآية ـ إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ }.