Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } * { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } * { فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ } * { فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }

قلت: المُلك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحقّ جلّ جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بَصَّرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نُريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفًا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبًا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدًا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يَكرّ عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلاً عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغًا }: متبدئًا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجزَ نفسه واستعان ربه في دَرك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادًا لقومه. وتنبيهًا لهم على أن القمر أيضًا لتغيُّر حاله، لا يَصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلهًا، فهو ضالٌّ. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكَّر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانةً للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفًا } أي: مائلاً عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد رُوِي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفًا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يُولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله:

السابقالتالي
2