Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } * { لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }

يقول الحق جلّ جلاله: { إِنّا أرسلناك شاهداً } تشهد على أمتك يوم القيامة، كقوله:وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [البقرة: 143] وهو حال مقدَّرة، { ومبشِّراً } لأهل الطاعة بالجنة، { ونذيراً } لأهل المعصية بالنار، { لتؤمنوا بالله ورسوله } والخطاب للرسول والأمة، { وتُعزِّروه } تقوُّوه بنصر دينه، { وتُوقِّروه } أي: تُعظِّموه بتعظيم رسوله وسائر حرماته، { وتُسبِّحوه } تُنزِّهوه، أو تُصلوا له، من: السبحة، { بكرةً وأصيلاً } غدوة وعشية، قيل: غدوة: صلاة الفجر، وعشية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومَن فرّق فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري بالغيب في الأربعة، والضمائر للناس، وقرأ ابن السميفع: " وتُعززوه " بزاءين، أي: تنصروه وتُعِزُّوا دينه. { إِنَّ الذين يُبايعونك } على الجهاد، بيعة الرضوان { إِنما يُبايعون اللّهَ } لأنه خليفة عنه، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه } [النساء: 80] ثم أكّد ذلك بقوله: { يدُ اللهِ فوق أيديهم } يعني: أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، من باب مبالغة التشبيه، { فمَن نكث } نقض البيعة، ولم يفِ بها { فإِنما يَنكُثُ على نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر رضي الله عنه: " بايعنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألاَ نفرّ، فما نكث أحدُ منا البيعةَ، إلا جَدّ بن قَيْسٍِ المنافق، اختبأ تحت إبطِ بعيره، ولم يَسر مع قومه ". { ومَن أوفى بما عاهد عليه اللّهَ } يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من " عليه " توسُّلاً لتفخيم لام الجلالة، وقيل: هو الأصل، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي: ومَن وفَّى بعهده بالبيعة { فسيؤتيه أجراً عظيماً } الجنة وما فيها. الإشارة: لكل جيل من الناس يبعث اللّهُ مَن يُذكِّرهم، ويدعوهم إلى الله، بمعرفته، أو بإقامة دينه، ليدوم الإيمان بالله ورسوله، ويحصل النصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين، وقوله تعالى: { إنَّ الذين يُبايعونك } الآية، قال الورتجبي: ثم صرَّح بأنه عليه السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل، فصار هو هو، إذا غاب الفعل في الصفة، وغابت الصفة في الذات. فقال: { إن الذين يُبايعونك... } الآية. وإلى ذلك يُشير الحلاّج وغيره. وقال في القوت: هذه أمدح آية في كتاب الله عزّ وجل، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلاً عنه، فيقول: لله، وليس هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هـ. وقال الحسن بن منصور الحلاج: لم يُظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسَمِهِ وأشرفه، فقال: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }.

السابقالتالي
2