Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً } * { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً }

قلت: من قرأ: { لا تعدوا } بالسكون، فماضيه: عدا، ومن قرأ بتشدد الدال، فماضيه اعتَدى، وأصله: لا تعتدوا، فنُقلت حركة التاء إلى العين وأُدغمت التاء في الدال، ومن قرأ بالاختلاس أشار إلى الأصل. يقول الحقّ جلّ جلاله: { يسألك أهل الكتاب } ، وهم أحبار اليهود، { أن تنزل عليهم كتابًا من السماء } جملة واحدة، كما نزل التوراة، أو كتابًا بخطَّ سماوي على ألواح كما كانت التوراة، والسائل هو كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيًا فأتنا بكتاب من السماء جملةً، كما أتى به موسى، قال تعالى في الرد عليهم: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } وهو رؤية ذات الحقّ ـ تعالى ـ جهرًا حسًا. والمعنى: إن استعظمت ما سألوا منك فقد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك. وهذا السؤال، وإن كان من آبائهم، أُسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم بل عُرفُهُم راسخٌ في ذلك، فلا تستغرب ما وقع منهم. ثم فسر سؤالهم بقوله: { فقالوا أرنا الله جهرة } أي: عيانًا في الحس، { فأخذتهم الصاعقة } ، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم، فماتوا ثم بُعثوا بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. وسيأتي في الإشارة تحرير ذلك. { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات } على وحدانيته تعالى. وهذه جناية أخرى اقترفها أيضًا أوائلهم، { فعفونا عن ذلك } حيث تابوا، ولم نعاجلهم بالعقوبة، { وأتينا موسى سلطانًا مبينًا } أي: تسلطًا ظاهرًا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، توبة من اتخاذهم العجل إلهًا، وحجة واضحة على نبوته كالآيات التسع. { ورفعنا فوقهم الطور } حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة، بسبب ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، وهو التزام أحكام التوراة، وقلنا لهم على لسان موسى: { ادخلوا الباب سجّدًا } أي: باب بيت المقدس، فدخلوا يزحفون على استاههم عنادًا واستهزاءً، وقلنا لهم: { لا تعدوا في السبت } على لسان داود عليه السلام، فاعتدوا فيه بالاصطياد، فمسخناهم قردةً وخنازير، { وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا } على ذلك كله، فنقضوا جميع ذلك، أو ميثاقًا غليظًا في التوراة لئن أدركوك ليؤمنن بك، وليبينن صفتك للناس، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتراح الآيات وطلب الكرامات من الأولياء، سنة ماضية، لأنهم على قدم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ما يقال لهم إلا ما قيل للأنبياء قبلهم، فلا تكاد تجد أحدًا يصدق بولي حتى تظهر عليه الكرامة، وهو جهل كبير لأن الكرامة قد تظهر على من لم تكمل له استقامة، وقد تكون استدراجًا ومكرًا.

السابقالتالي
2