Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } * { وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } * { بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ } * { وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }

يقول الحق جلّ جلاله: { إِنهم } أي: المشركين { كانوا إِذا قيلَ لهم لا إِله إِلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأَبَوا إلا الشرك، { ويقولون أئِنَّا لَتَارِكوا آلهتَنا لشاعرٍ مجنونٍ } يعنون نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصَدَّقَ المرسلين } لكونه مصدِّقاً لما بين يديه من الرسل. وهو ردٌّ عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كَذُوبٌ، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إِنكم لَذائِقو العذابِ الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تُجْزَون إِلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحاً بها، ويخضع لمَن جاء بها، ودلَّ عليها، حتى يُدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إِذا قيل لهم لا إِله إِلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابُهم بقلوبهم أوقعهمْ في وهْدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [الأعراف: 206] وقال:لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للهِ... } [النساء: 173]، فمَن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم:
ويظهرُ في الورى عزُّ الموالي فيلزمني له ذُلُّ العبيد   
ولمَّا لم يحتشموا من وصفه ـ سبحانه ـ بما لا يليق بجلاله، لم يُبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. هـ. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ.... }