Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

يقول الحق جلّ جلاله: { وما يستوي البحرانِ } في العذوبة والملوحة، بل هما مختلفان، والماء واحد، { هذا عذب فُرات } أي: شديد العذوبة. وقيل: هو الذي يَكْسر العطش لشدة برودته، { سائغ شَرابُهُ } أي: سهل الانحدار، مريء، لعذوبته، { وهذا مِلحٌ أُجاج } شديد الملوحة، وقيل: الذي تُحرِق ملوحته. { ومن كُلِّ } أي: من كل واحد منهما { تأكلون لحماً طرياً } وهو السمك، { وتستخرجون حِليةً } وهي اللؤلؤ والمرجان. قيل: من الملح فقط. وقيل: منهما. قال بعضهم: نسب استخراج الحلية إليهما لأنه تكون في البحر عيون عذبة، تمتزج بماء الملح، فيكون اللؤلؤ من ذلك. هـ. { تلبسونها } أي: نساؤكم لأن القصد بالتزيُّن هو الرجال. { وترى الفلكَ } السفن، { فيه مواخِرَ } شواقّ للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء: شَقَّته، وهي جمع ماخرة، { لتبتغوا من فضله } من فضل الله، ولم يتقدم له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجرِ له ذكر، لم يشكل لدلالة المعنى عليه. { ولعلكم تشكرون } الله على ما أولاكم من فضله. وقيل: هو ضرب مثل للكافر والمؤمن، فالمؤمن يجري عذب فُرات، والكافر ملحٌ أُجاج. ثم ذكر ـ على سبيل الاستطراد ـ ما يتعلق بالبحرين من نِعَم الله وعطائه. ويحتملُ أن يكون على غير الاستطراد، وهو أن يشبّه الجنسيْن، ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر، وهو ما خصّ به من المنافع، كاستخراج اللؤلؤ، والمرجان، والسمك، وجري الفلك فيه، وغير ذلك. والكافر خلوّ من المنافع بالكلية، فهو على طريقة قوله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ } ثم قال:وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهَ الأَنْهَارُ... } [البقرة: 74]. الإشارة: بحر الشريعة عذب فُرات، سائغ شرابه، وبحر الحقيقة مِلح أُجاج لأنه مُرّ على النفس، يحتاج ركوبه إلى بذل المُهج والنفوس، وحط الرؤوس، وبذل الأموال، ورفض الأوطان والدنيا وأهلها. بخلاف الشريعة، فلا تحتاج إلى هذا كله، وإن كانت متوقفة على مشاق التعلُّم والتدريس، ولن تُنال مع بقاء عز النفس والمال والجاه، وغير ذلك. ومن كُلٍّ تأكلون لحماً طرياً، فبحر الشريعة يُنال منه حلاوة المعاملة الظاهرة، وبحر الحقيقة يُأكل منه حلاوة الشهود والمعرفة. وترى سُفن الأفكار في بحار الأحدية، مواخر، تجول في عظمة بحر الجبروت والملكوت، ولِتبتغوا من فضله تمامَ معرفته، ولتكونوا من الشاكرين أي: ممن يعبد شُكراً، لا قهراً. قال القشيري: وما يستوي الوقتان، هذا بسط، وصاحبه في رَوْح، وهذا قبضٌ، وصاحبه في نَوْح. هذا خوفٌ وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاءٌ وصاحبه في ارتياح. قلت: الرجاء عذب. والخوف ملح، خلاف ما يقتضي كلامه. ثم قال: هذا فرق، وصاحبه بوصف العبودية، وهذا جمع، وصاحبه بشهود الربوبية. ثم ذكر دليلاً آخر فقال: { يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ... }