Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } * { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } * { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }

يقول الحقّ جلّ جلاله: { إِن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البُشرى بالثواب، { أولئك عنها }: عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون ليَعْلَم العابدون أن المدارَ على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تَبَاعد العبد وتَقَرُّبه. هـ. وكأنه يشير لقوله: " هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي " ، أي: بأعمالهم. { لا يسمعون حَسِيسَهَا } أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. هـ. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خرَّ على ركبتيه. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: " نفسي نفسي " ، لا من خوف النار. هـ. قلت: أما كون الناس يُصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: " أنه يُؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خرّ " .. الحديث، ويؤيده قوله تعالى:وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } [الفَجر: 23] والأنبياء - عليهم السلام - بَشَر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفًا، لكن غلبة ودهشًا، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جُز... الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: { وهم فيما اشتهت أَنفُسُهُم } من النعيم { خالدون }: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، { لا يحزنهم الفزعُ الأكبر } ، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: { وتتلقاهم الملائكةُ }. قال ابن عباس: " تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور " ، قائلين: { هذا يومُكم الذي كنتم تُوعدون } بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يُطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يُذبح الموت.

السابقالتالي
2