Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }

قلت: الحياء: خُلُق كريم يمنع صاحبه من ارتكاب ما يعاب به، وفي الحديث: " إنَّ الله حَيِيٌ كَريم " ، و { مثلاً } مفعول، و { ما } نكرة، صفته، و { بعوضة } بدل، والبعوضة: الذباب. وفي الحديث: " لوْ كَانَتِ الدُّنيَا تُسَاوِي عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ مَا سَقَى الكافرَ منها جَرْعَة ماءٍ " ، وقيل: صِغَار البَقِّ، أي: إن الله لا يترك أن يضرب مثلاً - أيّ مثل كان - بعوضة فما فوقها. أو { بعوضة } مفعول أول، و { مثلاً } مفعول ثانٍ، من باب جعل، و { ماذا } إما مبتدأ وخبرِ، على أن { ذا } موصولة، أو مفعولة بأراد على أنها مركبة، و { مثلاً } حال أو تمييز. والفسق: الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. يقوله الحقّ جلّ جلاله: { إنَّ اللَّهَ } لا يترك ترك المستحيي { أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } بالخسيس والكبير كالذباب والعنكبوت وغير ذلك. فأما المؤمنون فيتيقَّنُون { أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } ، وحكمته: إبراز المعاني اللطيفة في قوالب المحسوسات ليسهل الفهم، وأما الكفار فيعترضون ويقولون: { مَاذَا أَرَادَ الله } بهذه الأمثال؟ فإن الله منزه عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء الخسيسة، قال الله تعالى في الرد عليهم: أراد بهذا إضلال قوم بسبب إنكارها، وهداية آخرين بسبب الإيمان بها، { وَمَا يُضِلُّ } بذلك المثل إلا الخارجين عن طاعته، { الذين } نقضوا العهد الذي أُخذ عليهم في عالم الذَّرِّ، أو مطلق العهد، { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الأنبياء والرسل والأرحام وغيرها، { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، { أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الكاملون في الخسران، نعوذ بالله من الخذلان. الإشارة: إن الله لا يترك أن يظهر مثلاً من أنوار قدسه بارزاً بقدرته، مرتدياً برداء حكمته، ملتبساً بأسرار ذاته، مَكسُوّاً بأنوار صفاته من الذرة إلى ما لا نهاية له، فالمتجلِّي في النملة هو المتجلي في الفيلة، فأما الذين صَدَّقُوا بتجلي الذات في أنوار الصفات، فيقولون: إنه الحق فائضٌ من نور الربوبية، محتجباً برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه العوالم الظاهرة؟ فيقول الحق تعالى: أردت ظهور قدرتي وعجائب حكمتي، ليظهر سر ربوبيتي في مظاهر عبوديتي. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية " وقيل لأبي الحسن النُّورِي: ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة؟ فقال: عز ظاهر وملك قاهر، ومخلوقات ظاهرة به، وصادرة عنه، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها. هـ. فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوماً فيقفون مع ظاهر غرَّتِه، ويهدي به قوماً فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود، المنكرين لتجليات الملك المعبود، الذين ينقضون عهد الله، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الشيوخ العارفين، الذين أَهَّلَهُمَ الله للتربية والترقية، وهم لا ينقطعون ما دامت المِلَّةُ المحمدية، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص، بتضييعهم الأصولَ، وهي صحبة العارفين، والتأدب لهم، والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.